٤ آب : عندما وقف حزب_الله في وجه العدالة

بقلم ميشال فلاح – #بوابة_بيروت تنشر #مشروع_ذاكرة، رغم مرور ست سنوات على جريمة تفجير #مرفأ_بيروت في #٤_آب ٢٠٢٠

@michel_fallah

في الرابع من آب 2020، انفجرت بيروت. قُتل أكثر من مئتي إنسان، وجُرح الآلاف، ودُمِّرت أحياءٌ بأكملها، وتشرَّدت عائلات، فيما بقيت العاصمة تحمل ندوب جريمةٍ لم تُغلق قضائيًّا حتى اليوم. لكنَّ المأساة اللبنانية لم تتوقف عند لحظة الانفجار؛ فبعد أن هدأت النيران، بدأت معركةٌ أخرى: معركة منع الحقيقة من الوصول إلى أصحاب المسؤولية.

وفي قلب هذه المعركة يقف حزب الله، ليس بوصفه حزبًا سياسيًّا عاديًّا يختلف مع مسار التحقيق، بل بوصفه القوة الأكثر نفوذًا وقدرةً على التأثير داخل النظام اللبناني، والتي اتخذت، منذ البداية، موقفًا عدائيًّا من التحقيق العدلي كلما اقترب من شخصياتٍ سياسية وأمنية نافذة.
السؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس فقط: من تسبَّب بانفجار المرفأ؟ بل أيضًا: من عمل، طوال سنوات، على منع القضاء من الوصول إلى الحقيقة؟

منذ تولي القاضي طارق البيطار التحقيق، أصبح واضحًا أن القضية دخلت منطقةً محرَّمة بالنسبة إلى المنظومة السياسية. فقد قرر المحقق العدلي استدعاء مسؤولين من أعلى المستويات، لا لأنهم مدانون، بل لأن مواقعهم، ومسؤولياتهم، وما ورد في التحقيقات، يوجب مساءلتهم. وهنا بدأت الحرب الحقيقية على القضاء.

ومنذ تلك اللحظة، لم يعد النقاش يدور حول وقائع الانفجار فحسب، بل حول حدود استقلالية القضاء في مواجهة القوى السياسية والأمنية الأكثر نفوذًا في البلاد.

لم يكن حزب الله يريد، وفق خصومه، تحقيقًا يصل إلى نهايته، بل تحقيقًا يمكن احتواؤه، أو تطويقه، أو إبقاءه في دائرة الاتهام السياسي المتبادل. وعندما اقترب التحقيق من شخصياتٍ حليفة أو مقرَّبة من الحزب، تحولت القضية إلى «استهداف سياسي» و«مؤامرة»، وأصبح القاضي نفسه متهمًا، فيما اختفى السؤال الأساسي: لماذا لا يمثل كلُّ من يؤكد براءته أمام القضاء، ويدافع عن نفسه ضمن الأصول القانونية؟

في الدول الطبيعية، يواجه المسؤول الاتهام بالأدلة.

أما في لبنان، فقد حاولت المنظومة السياسية تحويل القضاء إلى متهم. وكان حزب الله، بما يملكه من قوة سياسية وأمنية تفوق حجم أي حزبٍ تقليدي، في موقعٍ يسمح له بأن يجعل من تعطيل التحقيق قضية توازن قوى، لا قضية قانون.

بلغت المواجهة ذروتها مع التهديدات التي سبقت أحداث الطيونة عام 2021، حين كان القاضي البيطار في صلب المواجهة السياسية. ومنذ ذلك الوقت، لم يعد ممكنًا النظر إلى تعطيل التحقيق باعتباره مجرد خلافٍ قانوني، بل أصبح واضحًا أن وراءه صراعًا على سؤالٍ جوهري: هل يستطيع القضاء اللبناني استدعاء شخصياتٍ نافذة، أم أن هناك خطوطًا حمراء يفرضها السلاح والنفوذ؟

إنَّ حزب الله لم يكتفِ بالدفاع عن حلفائه، بل سعى إلى تحويل التحقيق نفسه إلى مشكلة، والقاضي إلى خصم، وأهالي الضحايا إلى مجموعاتٍ متنازعة. وهنا تكمن إحدى أخطر نتائج هذه السياسة.

فأهالي ضحايا الرابع من آب كانوا، في البداية، يمثلون أقوى جبهةٍ أخلاقية في مواجهة الإفلات من العقاب. لكن، مع مرور الوقت، ظهرت تجمعاتٌ ومواقف متباينة، بعضها هاجم التحقيق القائم أو شكك في القاضي البيطار، فيما لعب حزب الله وحلفاؤه دورًا في إنشاء أو دعم مساراتٍ موازية هدفت إلى إضعاف وحدة الأهالي وتفكيك ضغطهم الشعبي.

ولعل أخطر ما أصاب القضية لم يكن الانقسام السياسي وحده، بل انتقال هذا الانقسام، تدريجيًّا، إلى البيئة التي يفترض أن تبقى الأكثر تماسكًا، أي عائلات الضحايا أنفسهم.

قد تختلف العائلات في تفاصيل كثيرة، وهذا حقها. لكن تحويل الضحايا إلى أدواتٍ سياسية، أو دفعهم إلى مواجهة بعضهم بعضًا، يخدم نتيجةً واحدة: إضعاف المطالبة بالعدالة. فالسلطة التي تخشى صوتًا موحدًا للضحايا قد تجد في شرذمتهم وسيلةً مثالية لشراء الوقت.

ثم جاءت المواجهة الأخطر مع المدعي العام التمييزي السابق، غسان عويدات. فبعد أن أصبح القاضي البيطار هدفًا للدعاوى والضغوط، انتهى الأمر إلى إجراءاتٍ قضائية شلَّت التحقيق عمليًّا، وأدت إلى الإفراج عن جميع الموقوفين في الملف. ومرةً أخرى، وجد اللبنانيون أنفسهم أمام مشهدٍ عبثي: جريمةٌ بحجم تدمير العاصمة، وتحقيقٌ معطل، وموقوفون أُفرج عنهم، ومسؤولون سياسيون يتحدثون عن القانون، فيما بدا القانون نفسه عاجزًا عن الوصول إليهم.

لا يعني ذلك أن كلَّ موقوفٍ مذنب، كما لا يعني أنَّ التوقيف الاحتياطي يمكن أن يتحول إلى عقوبة. لكنَّ الفرق كبير بين احترام حقوق الموقوفين، وبين استخدام الخلافات القانونية لتصفير التحقيق وإلغاء مفاعيله. فالعدالة ليست أن يُسجن الأبرياء، لكنها أيضًا ليست أن يُطلَق سراح الجميع لأن أصحاب النفوذ قرروا أن التحقيق وصل إلى مناطق خطرة.

ومن هنا، انتقلت القضية من كونها نزاعًا حول إجراءاتٍ قضائية إلى سؤالٍ يتصل بطبيعة النظام السياسي نفسه، وقدرته على إخضاع جميع القوى، من دون استثناء، لسلطة القانون.

وهنا لا يمكن تجاهل الدور الذي لعبه حزب الله في تكريس منطق «الحصانة السياسية». فالحزب، الذي يملك ترسانةً عسكرية مستقلة عن الدولة، وفرض في الحياة اللبنانية معادلةَ قوةٍ جعلت مساءلة حلفائه أمرًا بالغ الصعوبة، لا يستطيع، في الوقت نفسه، أن يطلب من اللبنانيين التعامل معه بوصفه حزبًا عاديًّا عندما يتعلق الأمر بالمسؤولية السياسية عن تعطيل العدالة.

القضية لا تتعلق فقط بمن كان يعلم بوجود نيترات الأمونيوم أو من أهمل إزالتها، بل تتعلق أيضًا بمن يملك القدرة على الضغط، ومن استخدم نفوذه، ومن هدَّد، ومن حاول إفراغ التحقيق من مضمونه، ومن عمل على حماية المشتبه بهم أو منع استدعائهم.

وفي مواجهة كل ذلك، بقي القاضي طارق البيطار متمسكًا بمسار التحقيق. فلم يتراجع أمام الضغوط، ولم يقبل أن تتحول القضية إلى ملفٍ سياسي مغلق. ومع إحالة الملف إلى النيابة العامة التمييزية، أصبحت المسؤولية اليوم أكبر من أي وقتٍ مضى.

فالنيابة العامة التمييزية أمام اختبارٍ تاريخي. وعليها أن تثبت أن تجربة غسان عويدات لن تتكرر، وأنها لن تكون بوابةً جديدة لتعطيل التحقيق. والمطلوب منها أن تُيسِّر المسار القانوني نحو صدور القرار الظني، وفق الأدلة والأصول، وأن تترك للمحكمة تحديد المسؤوليات، لا أن تسمح بتحويل الملف إلى متاهةٍ جديدة من المراجعات والتأجيلات.

لقد مضت سنواتٌ طويلة على الجريمة، وخلال هذه السنوات لم يختفِ الضحايا. فبعضهم ما زال يعيش بإصاباتٍ دائمة، وبعضهم يعاني من صدماتٍ نفسية، فيما لم تستطع عائلاتٌ كثيرة إعادة بناء حياتها. لكن الدولة اللبنانية، بدلًا من أن تمنحهم الحقيقة، منحتهم الانتظار.

لقد انتظروا طويلًا. انتظروا أن يقول القضاء كلمته، وأن يُستدعى كلُّ من يجب استدعاؤه، وأن يُحاسَب كلُّ من تثبت مسؤوليته، مهما كان اسمه أو موقعه أو انتماؤه.

ومع كلِّ سنةٍ تمر، لا يصبح التأخير مجرد خللٍ في سير العدالة، بل يتحول إلى ظلمٍ إضافي يلحق بالضحايا وذويهم، ويقوض ما تبقى من ثقة اللبنانيين بمؤسسات دولتهم.

لكن العدالة لا يمكن أن تبقى رهينة حزبٍ يملك السلاح، والنفوذ، والقدرة على تعطيل مؤسسات الدولة. ولا يمكن أن تبقى جريمة الرابع من آب ملفًا يُفتح عندما تسمح السياسة، ويُغلق عندما يقترب من المحظور.

يستحق الضحايا أن يستريحوا، ويستحق أهلهم الحقيقة، ويستحق لبنان أن يعرف من قتل أبناءه، ومن أهمل، ومن حمى، ومن عرقل.

أما حزب الله، فعليه أن يجيب عن السؤال الذي يلاحقه منذ انفجار المرفأ: إذا كان لا يخشى الحقيقة، فلماذا كان كل هذا العداء للتحقيق؟

وإذا كان القضاء مخطئًا، فليُثبت خطأه أمام القضاء.

أما أن يُمنع القضاء من الوصول إلى النهاية، وأن يُهدَّد المحقق، وأن تُشرذم عائلات الضحايا، وأن يُحمى أصحاب النفوذ، ثم يُطلب من اللبنانيين أن ينسوا، فذلك ليس دفاعًا عن العدالة.

ذلك هو، بالضبط، الإفلات من العقاب.

وفي المحصلة، لم تعد القضية تقتصر على كشف المسؤولين عن الانفجار، بل أصبحت امتحانًا لقدرة الدولة اللبنانية على فرض مبدأ المساواة أمام القانون، مهما كانت موازين القوى السياسية والأمنية.

وبعد كل ما جرى، فإن صدور القرار الظني، ومحاكمة كل من تثبت مسؤوليته، على اختلاف درجاتها، لم يعد مطلبًا لعائلات الضحايا وحدها، بل أصبح اختبارًا أخيرًا لما تبقى من الدولة اللبنانية.

فإذا انتصر السلاح على القضاء، والسياسة على الحقيقة، والنفوذ على دماء الضحايا، فلن يكون حزب الله وحده مسؤولًا عن تعطيل العدالة.

سيكون كلُّ من صمت، وكلُّ من خاف، وكلُّ من ساوم، وكلُّ من قبل بأن تُدفن الحقيقة مع الضحايا، شريكًا في هذه الجريمة.

اخترنا لك