ما بعد زيارة فولكر تورك إلى بيروت: السجل القانوني الدولي للبنان

خاص بوابة بيروت

قد تبدو زيارة المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان، فولكر تورك، إلى بيروت حدثاً دبلوماسياً يندرج في إطار الزيارات الأممية الدورية، إلا أن القراءة القانونية لهذا الحدث تكشف أبعاداً تتجاوز البروتوكول السياسي بكثير. فمثل هذه الزيارات لا تُقاس بعدد اللقاءات التي تُعقد مع الرؤساء والمسؤولين، ولا بما تتضمنه المؤتمرات الصحفية من مواقف، بل بما تضيفه إلى مسارٍ قانوني دولي يتراكم بهدوء، ويُعرف في الفقه والممارسة الدوليين ببناء السجل القانوني الدولي للدولة محل النزاع.

ففي القانون الدولي، لا تبدأ العدالة أمام المحكمة، بل تبدأ قبل ذلك بسنوات، عبر التوثيق، وجمع الأدلة، ورصد الانتهاكات، وإعداد التقارير، وتثبيت الوقائع ضمن سجلات الأمم المتحدة وآلياتها المختلفة. ومن هنا، فإن أهمية زيارة تورك لا تكمن فقط في الرسائل التي وجّهها إلى المسؤولين اللبنانيين، أو في دعوته إلى احترام القانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان، بل في كونها حلقة جديدة في عملية توثيق قانونية قد تتحول مستقبلاً إلى أساس للمساءلة الدولية، وللمطالبة بالتعويضات، ولأي تسوية قانونية أو سياسية لاحقة.

لقد ركّز المفوض السامي خلال زيارته على مبادئ تبدو للوهلة الأولى عامة، كضرورة إجراء تحقيقات مستقلة وفعالة، ومكافحة الإفلات من العقاب، واحترام التزامات لبنان الدولية، وحماية المدنيين. إلا أن هذه المبادئ ليست مجرد مواقف أخلاقية، وإنما التزامات قانونية مستقرة في منظومة القانون الدولي، تستند إلى اتفاقيات جنيف لعام 1949 وبروتوكولاتها الإضافية، وإلى العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، واتفاقية مناهضة التعذيب، وغيرها من الصكوك الدولية التي يرتبط بها لبنان. وبالتالي فإن كل تأكيد أممي على هذه الالتزامات يضيف طبقة جديدة إلى السجل القانوني الذي يُبنى تدريجياً حول الوقائع والانتهاكات.

وتبرز هنا نقطة كثيراً ما تغيب عن النقاش اللبناني، وهي أن القانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان لا يعملان في مسارين منفصلين، بل يتكاملان بصورة وثيقة. فالأول ينظم سلوك الأطراف أثناء النزاعات المسلحة ويحدد حماية المدنيين والأعيان المدنية، بينما يستمر الثاني في فرض التزامات الدولة تجاه الأفراد حتى خلال النزاعات، باستثناء الحدود الضيقة التي تجيزها قواعد الطوارئ. وهذا التداخل يسمح بتوسيع نطاق المسؤولية القانونية، فلا تبقى الانتهاكات محصورة في توصيفها كأعمال حربية، بل قد تتحول إلى انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان، أو إلى جرائم حرب، أو حتى إلى جرائم ضد الإنسانية متى توافرت شروطها القانونية.

وفي هذا السياق، فإن الدعوة إلى المساءلة لا تعني بالضرورة انتظار إنشاء محكمة دولية خاصة، لأن العدالة الدولية لم تعد ترتبط بمسار واحد، بل أصبحت تقوم على تعدد آليات الاختصاص. فإلى جانب القضاء الوطني، توجد لجان التحقيق الدولية، وآليات تقصي الحقائق، والمحكمة الجنائية الدولية متى توافرت شروط اختصاصها، إضافة إلى مبدأ الولاية القضائية العالمية، الذي يشكل أحد أهم التطورات في القانون الجنائي الدولي خلال العقود الأخيرة.

فالولاية القضائية العالمية تمنح بعض الدول صلاحية ملاحقة مرتكبي أخطر الجرائم الدولية، كجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية والإبادة الجماعية والتعذيب، حتى وإن ارتُكبت خارج أراضيها، ولم يكن مرتكبوها أو ضحاياها من رعاياها، وذلك استناداً إلى تشريعاتها الوطنية والتزاماتها الدولية. وقد شهد العالم خلال السنوات الأخيرة تطبيقات عديدة لهذا المبدأ أمام محاكم أوروبية، الأمر الذي يجعل من توثيق الانتهاكات وفق المعايير الدولية خطوة أساسية، لأن الملف القانوني الذي يُعد اليوم قد يصبح غداً أساساً لدعوى تُقام أمام قضاء دولة أخرى.

ومن هنا، لا ينبغي النظر إلى تقارير المفوض السامي، أو إلى أعمال بعثات الأمم المتحدة، باعتبارها وثائق إعلامية أو سياسية، بل باعتبارها عناصر إثبات قانونية قد تكتسب مع مرور الزمن قيمة كبيرة أمام المحاكم الوطنية والدولية. فالعدالة الدولية لا تُبنى بقرار مفاجئ، وإنما عبر تراكم الأدلة، وحفظها، وربطها بسياق قانوني متماسك، بحيث يتحول كل تقرير أممي إلى جزء من سجل قانوني متكامل.

وفي المقابل، يقع على عاتق الدولة اللبنانية دور لا يقل أهمية عن دور المجتمع الدولي. فالمطلوب ليس فقط التعاون مع آليات الأمم المتحدة، بل أيضاً تطوير الإطار التشريعي الوطني بما ينسجم مع الالتزامات الدولية، وتعزيز استقلال القضاء، وتحديث التشريعات المتعلقة بجرائم الحرب والجرائم الدولية، وإنشاء آليات وطنية متخصصة لتوثيق الانتهاكات وحفظ الأدلة وفق المعايير المعتمدة دولياً. كما أن البرلمان اللبناني لا يقتصر دوره على إصدار القوانين، بل يمتد إلى مواءمة المنظومة القانونية الوطنية مع قواعد القانون الدولي، بما يضمن عدم تحول الفراغ التشريعي إلى عائق أمام العدالة.

غير أن أكثر الملفات غياباً عن النقاش اللبناني يبقى ملف التعويضات الدولية. فمنذ سنوات، انصبّ الاهتمام على توصيف الانتهاكات وتحديد المسؤوليات، بينما تراجع الحديث عن حق الضحايا، والأفراد، والبلديات، والمؤسسات، وحتى الدولة اللبنانية، في المطالبة بجبر الأضرار التي لحقت بها. والحال أن القانون الدولي لا يختزل العدالة في معاقبة الجناة، بل يعتبر أن العدالة الحقيقية لا تكتمل إلا بجبر الضرر، وهو مبدأ راسخ كرسته قواعد مسؤولية الدول عن الأفعال غير المشروعة دولياً، واجتهادات محكمة العدل الدولية، والمبادئ الأساسية للأمم المتحدة بشأن حق الضحايا في الانتصاف والجبر.

ولا يقتصر الجبر على التعويض المالي، بل يشمل أيضاً رد الحقوق، وإعادة التأهيل، وإعادة الإعمار، والتعويض عن الأضرار الاقتصادية والبيئية، وضمانات عدم التكرار. ومن هنا، فإن تدمير البنية التحتية، والتهجير، والأضرار البيئية، والخسائر الاقتصادية، ليست مجرد نتائج جانبية للنزاعات، بل قد تشكل عناصر مستقلة في أي مطالبة قانونية مستقبلية بالتعويض.

أما مجلس الأمن، فهو يملك من الناحية القانونية أدوات واسعة، منها إنشاء لجان تحقيق، أو إحالة أوضاع معينة إلى المحكمة الجنائية الدولية في الحالات التي تسمح بها اختصاصاته، أو إنشاء آليات خاصة بموجب ميثاق الأمم المتحدة. إلا أن التجربة الدولية أثبتت أن فعالية المجلس كثيراً ما تصطدم بالاعتبارات السياسية، وبحق النقض الذي تمارسه الدول الدائمة العضوية، الأمر الذي يجعل العدالة الدولية رهينة لموازين القوى أكثر من ارتباطها أحياناً بقواعد القانون. وهذه ليست إشكالية لبنانية فحسب، بل إحدى أبرز أزمات النظام القانوني الدولي المعاصر.

ومع ذلك، فإن شلل مجلس الأمن لا يعني شلل العدالة الدولية. فقد تطورت المنظومة الدولية خلال العقود الأخيرة بحيث لم تعد العدالة حكراً على مؤسسة واحدة، بل أصبحت موزعة بين القضاء الوطني، والاختصاص العالمي، وآليات الأمم المتحدة، والهيئات الإقليمية، والتقارير الدولية، والمبادرات الوطنية المستقلة. لذلك، فإن بناء الملف القانوني اللبناني يجب ألا ينتظر توافق القوى الكبرى، بل ينبغي أن يبدأ من الداخل، عبر استراتيجية وطنية متكاملة لتوثيق الانتهاكات، وإعداد ملفات قانونية دقيقة، وحفظ الأدلة وفق أعلى المعايير، تمهيداً لاستخدامها متى توافرت الفرصة القضائية أو السياسية المناسبة.

إن القيمة الحقيقية لزيارة فولكر تورك لا تكمن في الكلمات التي قيلت خلال يومين في بيروت، بل في الرسالة القانونية التي حملتها هذه الزيارة. فالأمم المتحدة، من خلال آلياتها المختلفة، لا تكتب التاريخ السياسي للدول، بل تكتب سجلاً قانونياً قد يصبح بعد سنوات مرجعاً للمساءلة، وأساساً للتعويض، وركناً في أي تسوية مستقبلية. ومن هنا، فإن السؤال الحقيقي لم يعد ما إذا كانت الانتهاكات قد وقعت، ولا ما إذا كانت الأسرة الدولية تدرك حجمها، بل ما إذا كان لبنان يمتلك الإرادة المؤسسية لتحويل هذا السجل القانوني الدولي إلى مشروع وطني للعدالة، يحفظ حقوق الضحايا، ويؤسس للمساءلة، ويصون حق الدولة والمجتمع في التعويض وجبر الضرر. فالفرص القانونية، تماماً كالنوافذ السياسية، لا تبقى مفتوحة إلى الأبد، ومن يتأخر في بناء ملفه القانوني قد يكتشف لاحقاً أن العدالة لم تغب بسبب نقص في قواعد القانون الدولي، بل بسبب غياب الاستعداد الوطني لاستثمارها في الوقت المناسب.

إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير
اخترنا لك