الديمقراطية التي تُدار خلف الأبواب المغلقة، لا يمكنها أن تنتج دولة حديثة

خاص بوابة بيروت

في الدول التي تحترم الديمقراطية، لا يصبح رئيس الدولة أو رئيس الحكومة نتيجة اجتماعات مغلقة، ولا يُفرض على المواطنين بعد أشهر من المفاوضات والصفقات السياسية. بل يتقدم إلى الشعب ببرنامج واضح، ورؤية وطنية، وخطة عمل قابلة للنقاش والمحاسبة.

أما في لبنان، فإن الواقع مختلف تمامًا.

المواطن اللبناني لا يعرف من سيكون رئيس الجمهورية إلا بعد أن تنتهي اللقاءات المغلقة، وتتوافق القوى السياسية على اسم معيّن، ثم يذهب النواب إلى مجلس النواب لانتخابه. طوال هذه العملية، لا يطّلع اللبنانيون على أي برنامج رئاسي، ولا يسمعون رؤية اقتصادية، ولا مشروعًا لإصلاح الدولة، ولا خطة لإعادة بناء المؤسسات. وكأن انتخاب رئيس الجمهورية هو شأن يخص الطبقة السياسية وحدها، بينما يُطلب من الشعب لاحقًا أن يتقبل النتيجة لست سنوات كاملة.

هنا تكمن المشكلة الحقيقية.

الرئاسة ليست مجرد اسم أو تسوية سياسية، بل هي قيادة دولة تواجه أزمات وجودية. فكيف يمكن لشعب يعيش انهيارًا اقتصاديًّا ومؤسساتيًّا غير مسبوق أن يُحرم من معرفة مشروع الرئيس الذي سيقود البلاد؟

في العديد من الديمقراطيات المتقدمة، تتحوّل الانتخابات الرئاسية إلى نقاش وطني واسع. ففي فرنسا، على سبيل المثال، يعلن كل مرشح برنامجه السياسي والاقتصادي والاجتماعي والدبلوماسي قبل أشهر من الاقتراع. يخوض مناظرات علنية أمام ملايين المواطنين، ويجيب عن أسئلة الإعلام والخبراء، وتُفحص وعوده بالتفصيل. يعرف الناخب تمامًا ماذا يريد كل مرشح أن يفعل خلال السنوات المقبلة، ثم يمنحه صوته أو يحجبه عنه بناءً على تلك الرؤية.

حتى في الأنظمة البرلمانية التي لا ينتخب فيها المواطن رئيس الدولة مباشرة، تكون الأحزاب قد عرضت برامجها مسبقًا أمام الناخبين، وتكون التحالفات السياسية مرتبطة ببرامج معلنة يمكن للناس تقييمها ومحاسبتها.

أما في لبنان، فإن المواطنين لا يرون شيئًا من ذلك.

لا توجد مناظرات وطنية.

لا توجد برامج رئاسية منشورة.

لا توجد وثيقة رسمية تحدّد أولويات الرئيس المقبل، ولا توجد التزامات واضحة يمكن للشعب أن يحاسب الرئيس عليها بعد انتخابه. وبالتالي، تتحوّل عملية انتخاب رئيس الجمهورية إلى عملية اختيار شخصية، لا عملية اختيار مشروع وطني.

كيف يمكن أن نقيس نجاح أي رئيس إذا لم يكن قد أعلن أهدافه منذ البداية؟

كيف يمكن للمواطن أن يحاسبه إذا لم يقدم وعودًا محدّدة؟

وكيف يمكن لمجلس النواب أن يقول إنه اختار “الأفضل”، بينما لا توجد معايير معلنة للمفاضلة بين المرشحين؟

الأخطر من ذلك أن غياب البرامج يجعل النقاش السياسي يدور حول الأشخاص والانتماءات والتحالفات، بدلًا من أن يدور حول الاقتصاد، والإدارة العامة، والإصلاح، والاستثمار، والتعليم، والأمن، والسياسة الخارجية، وإعادة بناء الدولة.

وهذا ما يفسّر لماذا تتكرر الأزمات نفسها مع كل عهد جديد.

فالبرامج غائبة، والمؤشرات غائبة، ومعايير النجاح غائبة، والمحاسبة تصبح شبه مستحيلة.

إذا كان مجلس النواب هو مَن ينتخب رئيس الجمهورية، فمن حقّ اللبنانيين أن يعرفوا لماذا اختار هذا المرشح دون غيره. ومن حقهم أيضًا أن يطّلعوا على البرنامج الذي تعهد بتنفيذه، وعلى الأسس التي بُني عليها هذا الاختيار.

إن الديمقراطية لا تعني فقط إجراء عملية التصويت داخل البرلمان، بل تعني أيضًا الشفافية، وإتاحة المعلومات، وإشراك الرأي العام في النقاش الوطني، وربط السلطة بالمساءلة.

لقد حان الوقت لإصلاح الثقافة السياسية المحيطة بانتخاب رئيس الجمهورية في لبنان.

نحتاج إلى مرشحين يعلنون برامج رئاسية مكتوبة قبل الانتخاب.

نحتاج إلى جلسات استماع علنية يقدم فيها كل مرشح رؤيته للدولة.

نحتاج إلى نقاش وطني حقيقي حول مستقبل لبنان، لا مجرّد تداول للأسماء.

ونحتاج إلى أن يعلن كل نائب أمام اللبنانيّين الأسباب الموضوعيّة التي دفعته إلى التصويت لهذا المرشح دون سواه.

فالرئيس لا يحكم مجلس النواب فقط.

الرئيس يقود دولة بأكملها.

وإذا كان سيبقى في موقعه ست سنوات، فمن أبسط حقوق اللبنانيين أن يعرفوا مسبقًا ماذا ينوي أن يفعل، وكيف سيقيس نجاحه، وما هي رؤيته للبنان الذي يريد أن يتركه للأجيال القادمة.

إن بناء الدولة يبدأ بالشفافية.

والثقة تبدأ بالمصارحة.

أما الديمقراطية التي تُدار خلف الأبواب المغلقة، فلا يمكنها أن تنتج دولة حديثة، ولا قيادة خاضعة للمحاسبة، ولا مستقبلًا يطمئن إليه المواطن اللبناني.

إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير
اخترنا لك