كيف يتحول العيش تحت الضغط إلى نمط حياة؟
بقلم د. فاطمه عبود – خاص #بوابة_بيروت
@Fatimaabboud_83
في صباحٍ لبنانيٍّ عادي، يستيقظ مواطنٌ على انقطاع الكهرباء، يتفقّد بطارية هاتفه قبل أن يتفقّد الأخبار، ويؤجّل تشغيل بعض الأجهزة إلى حين عودة التيار أو امتلاء بطارية الطاقة البديلة. يتبادل مع من حوله تعليقات ساخرة عن الأسعار والازدحام وتراجع الخدمات، كأنّها تفاصيل يومية لا تستدعي التوقّف طويلاً ويخرج إلى عمله بعد أن أعاد حساب كلفة الوقود. وفي المساء، قد تُختصر الشكوى بعبارةٍ مألوفة: «تعودنا»، ثم تُستكمل الحياة بما تيسّر من حلولٍ فردية وبدائلَ مؤقتة.
لا يكشف هذا المشهد عن قدرة اللبناني على التكيّف فحسب، بل يطرح سؤالاً أعمق حول اللحظة التي يتحوّل فيها الخلل من “حالةٍ استثنائية” إلى “واقعٍ مألوف”. فحين تتكرّر الأزمات وتطول مدّتها، لا تبقى آثارها محصورة في الاقتصاد أو الخدمات العامة، بل تتحول تدريجياً إلى إطارٍ مرجعيٍ لسلوك الأفراد وتوقعاتهم واختياراتهم وتمتدّ إلى وعيهم وأنماط استجاباتهم، وإدراكهم لما هو مقبول أو طبيعي، تتيجةً لذلك، يكفّون عن التعامل مع الأزمة بوصفها وضعا ًمؤقتا ينبغي تجاوزه ويعيدون تنظيم حياتهم وسلوكاتهم بما يضمن لهم الإستمرار في إطارها.
ويمكن توصيف هذه الظاهرة بتطبيعٍ للأزمة وذلك في ضوء مفهوم «الأزمة المزمنة» لدى فيغ “Vigh”، حيث تتحول الأزمة المستمرة من حالة استثنائية إلى سياق اعتيادي تُنظَّم داخله الحياة اليومية، فيفقد الخلل طابعه الطارئ، ويصبح جزءاً معتاداً من الحياة اليومية. عندها يتوقف الأفراد عن مواجهتها كحدثٍ إستثنائي عابر، وتُواجه من قبلهم كواقعٍ ضاغطٍ ومستمر يفرض عليهم تطوير آليات نفسية واجتماعية للتكيّف معه. ويحدث ذلك التكيّف عبر خفض سقف التوقّعات، اللجوء إلى الفكاهة، البحث عن حلول فردية، والمقارنة بأوضاع أكثر سوءاً، إلى أن يصبح الواقع المأزوم مألوفاً، ويغدو الاعتراض عليه أقل حدّة.
وتتشكّل آليات التكيّف مع الأزمات المزمنة من خلال تفاعلٍ متواصل بين إدراك الفرد للواقع، والموارد المتاحة له، والاستجابات التي يتعلّمها من محيطه الاجتماعي. فوفق النموذج التفاعلي للضغط والتكيّف لدى لازاروس وفولكمان “Lazarus & Amp – Folkman”، لا يتحدد أثر الأزمة بموضوعيتها وحدها، بل بالطريقة التي يقيّم بها الأفراد حجم التهديد وقدرتهم على مواجهته؛ فإذا أدركوا أن إمكانات التغيير محدودة، اتجهوا غالباً إلى استراتيجيات تركّز على تنظيم الانفعال الناتج عنها بدلاً من معالجة مصدرها، كأن يلجأوا إلى التقليل من خطورتها، أو تجنّب التفكير فيها، أو اللجوء إلى السخرية والفكاهة لخفض التوتر. وتتداخل هذه الاستجابات مع آلية المقارنة الاجتماعية التي تحدّث عنها فستنجر “Festinger”، إذ قد يقارن الأفراد أوضاعهم بأوضاع أشخاص أكثر معاناة، فيشعرون بقدر نسبي من الرضا، ويعيدون تعريف ما يعيشونه بوصفه وضعاً محتملاً لا استثنائياً.
ومن منظور نظرية التعلّم الاجتماعي لباندورا “Bandura”، تكتسب أنماط التكيّف طابعاً جماعياً عندما يلاحظ الفرد أن الآخرين يتعايشون مع الخلل، ويبتكرون بدائل فردية، ويتعاملون معه بوصفه جزءاً ثابتاً من الحياة؛ فتنتقل هذه السلوكيات بالملاحظة والمحاكاة، وتتحوّل تدريجياً إلى استجابات مألوفة ومقبولة اجتماعياً لدى معظم الأفراد.
غير أن تكرار التعرض للمشكلات مع غياب النتائج الملموسة لتجاوزها قد يؤدي، وفق مفهوم “العجز المتعلَّم” لدى سليغمان “Seligman”، إلى انخفاض الشعور بالقدرة على التأثير، وانسحاب الأفراد من المبادرة أو الاعتراض، لأنهم يتوقعون مسبقاً أن محاولاتهم لن تغيّر الواقع.
ومع مرور الوقت، تُعاد صياغة معنى الأزمة داخل الوعي الجمعي الذي يبدأ بإنتاج ثقافة إجتماعية قادرة على استيعابها وتبرير استمرارها فتتولّد آليات لغوية لتطبيع الخلل واختزاله في عبارات مثل «تعودنا» و«البلد كله هيك»، ويتحوّل التكيّف من مجرد استجابة نفسية لحماية الفرد من الضغط إلى بناءٍ اجتماعيٍ يعيد تأطير حدود الطبيعي والمقبول محوّلاً الصمود من قدرة على مواجهة الأزمة إلى وسيلة للاستمرار داخلها وآليةٍ لإدامتها من دون مساءلة أسبابها.
إذا، ورغم أنّ هذا التكيّف يؤدي في مراحله الأولى، وظيفة وقائية تساعد الأفراد على حفظ توازنهم النفسي والاستمرار في أداء أدوارهم اليومية مانعاً الضغط من التحوّل سريعاً إلى انهيارٍ نفسي أو اجتماعي، غير أنّ استراتيجيات التكيّف حين تستمر من دون أن تقترن بإمكانات حقيقية للتأثير في مصدر الأزمة، قد تنقلب من وسائل للحماية إلى آليات لترسيخ العجز.
ويؤدي تكرار المحاولات غير المثمرة وغياب العلاقة الواضحة بين الفعل والنتيجة إلى تكوين توقع داخلي بأن التغيير غير ممكن، فتتراجع المبادرة ويحلّ الانسحاب محلّ الفعل وينتقل المجتمع تدريجيا من إدارة الأزمة إلى إدارة الحياة داخلها.
ويتعزّز ذلك، من منظور باندورا، بانخفاض الكفاءة الذاتية والجماعية التي تتمظهر بفقدان الأفراد ثقتهم بقدراتهم على إحداث أثر ملموس مع تراجع الإحساس بالفاعلية لديهم. وقد تتدخل أيضاً آليات تبرير النظام، كما تطرحها نظرية جوست “Jost”، فيميل الناس إلى تفسير الواقع القائم بوصفه حتمياً أو غير قابل للتبديل ما يُعزّز شرعيته، فكلّما طال التعايش مع الخلل يصبح الإعتراف المستمر به مصدراً للتوتّر بينما يوفّر قبوله قدراً من الإستقرار النفسي.
وهكذا يغدوالتكيّف، الذي بدأ بوصفه وسيلة لحماية الذات من الانهيار، عاملاً في خفض التوقعات وتطبيع الخلل وإضعاف الدافعية إلى الاعتراض الجماعي؛ فيتحول الصمود حين ينفصل عن المساءلة والفعل من دليل مرونة إلى أحد المكونات النفسية الجماعية التي تتيح للأزمة بالاستمرار.
ويشكّل الواقع اللبناني سياقا دالًّا لقراءة هذه الدينامية في ظل توالي الأزمات واستمرارها فيه وما رافقها من أنماط التكيّف الفردي والجماعي التي شكّلت وسائل للبقاء ضمن الشروط القائمة محوّلةً كلّ أزمةٍ جديدة إلى جزءٍ من ذاكرة الأزمات السابقة، فأصبح اللبناني أكثر استعداداً لإعادة تنظيم حياته ضمن واقعٍ غير مستقر.
من هنا، يتجلّى التحدي الحقيقي بالقدرة على الانتقال من صمودٍ تكيّفي يتجسّد بالتعايش مع الأزمة إلى صمودٍ تحويلي يعيد للأفراد والجماعات شعورهم بالقدرة على التأثير.
وهذا الانتقال لا يتحقق فقط عبر تعزيز الموارد الفردية، بل أيضاً من خلال استعادة الثقة بالفعل الجماعي، وإحياء المساحات التي تسمح بالمشاركة والمساءلة والتعبير عن المطالب. فالتكيّف السليم لا يعني قبول الخلل، بل القدرة على حماية التوازن النفسي مع الحفاظ على الوعي بأن الواقع غير المقبول لا ينبغي أن يصبح مقبولاً، وأن الاستمرار في الحياة لا ينبغي أن يكون بديلاً عن السعي إلى تغيير شروطها.
فمتى نبدأ معاً في استعادة قدرتنا على تغيير الواقع وصناعة حياةٍ أكثر استحقاقاً؟
إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير