
كاتبة وناشطة سياسية
«كهف الفنون» في #الجاهلية… رحلة بين ذاكرة الأجداد، روح الأرض وفنّ #غاندي أبو دياب
بقلم كوثر شيا – خاص #بوابة_بيروت
@kchaya
وصلنا إلى بلدة الجاهلية في الشوف، وكان في استقبالنا ذلك النوع من الطقس الذي يشبه المكان؛ نسمة هواء رقيقة، شيء من دفء آب، وطبيعة تقول لك منذ اللحظة الأولى: تمهّل… أنت هنا لتشعر، لا لتستعجل.
دخلنا المكان، فإذا بالطاولات والكراسي من الحجر والصخر الطبيعي، وكأنها لم تُصنع لتغيّر الطبيعة، بل لتصبح جزءًا منها. جلسنا في الظل، فيما كانت أشعة الشمس تتسلّل بين أغصان الأشجار على اختلاف أنواعها، وترسم حولنا مساحات متحركة من الضوء.
شربنا الشاي الأخضر مع السيترونال، وأخذنا وقتنا لنهدأ ونصل فعلًا… ليس بأجسادنا فقط، بل بحواسنا ووجداننا أيضًا.
ومن هناك بدأ المسار
مشينا بين الصخور والماء والأشجار، وبمحاذاة بركة اللوتس الجميلة. لم يكن المشي سباقًا للوصول إلى مكان ما، بل كان جزءًا من التجربة نفسها؛ نتوقف، ننظر، نتنفس، ونترك للطبيعة فرصة أن تتحدث إلينا بعيدًا عن ضجيج الحياة اليومية.
شيئًا فشيئًا، بدأ المكان يكشف لنا حكايته.
أمامنا نحو مئة عام من التاريخ العائلي؛ بيت يجمع بين البساطة والجمال، وبين ذاكرة الماضي وحضور اليوم. صعدنا درجًا تحيط به أخشاب طبيعية من أغصان الأشجار، بقيت محافظة على أشكالها وانحناءاتها الأصلية، وكأن الإنسان هنا لم يحاول إخضاع الطبيعة له، بل تعلّم كيف يعمل معها.
وصلنا إلى غرفتين واسعتين ببلاط الموزاييك القديم الجميل.
وهنا… بدأ الفن يتكلم
لوحات تستحضر الأجداد والأرض والهوية والإنسان، وتحمل كل واحدة منها سردية تتجاوز اللون والخطوط إلى ما وراءهما من ذاكرة وانتماء.
ومن بينها لوحة حملت معها حكاية من الهند، حيث شارك الفنان غاندي أبو دياب ممثلًا لبنان في لقاء دولي ضم مشاركين من نحو مئة دولة، وحملت تجربته هناك رسالة مرتبطة بثقافة السلام.
توقفت أمامها طويلًا.
لأن السلام، كما أراه، ليس مؤتمرًا فقط، ولا شعارًا نعلّقه، ولا كلمة جميلة نكررها حين نحتاج إليها.
السلام ثقافة.
هو الطريقة التي نرى بها الآخر، والطريقة التي نحفظ بها اختلافنا من دون أن نحوّله إلى خصومة. هو فن وتربية وذاكرة، وهو قدرة الإنسان على أن يجد مساحة مشتركة مع إنسان آخر قد لا يشبهه في اللغة أو الدين أو الوطن أو العادات.
وحين يستطيع الفن أن يجمع ثقافات وشعوبًا مختلفة حول قيمة إنسانية واحدة، يصبح الفن نفسه لغةً للسلام.
ثم نزلنا إلى القبو
وهناك شعرت بأن الزمن بدأ يسير في الاتجاه المعاكس.
مكان يحتفظ بملامح من حقبات تاريخية قديمة تمتد إلى مئات السنين، وبداخله مجموعة كبيرة من الأدوات التي كانت العائلة تستخدمها في حياتها اليومية، يوم لم تكن هناك كهرباء ولا برادات ولا كل تلك الوسائل التي أصبحت بالنسبة إلينا اليوم من بديهيات الحياة.
أوانٍ ومناسف، طناجر النحاس والفخار، أدوات منزلية قديمة، وحتى سرير الطفل الصغير الذي كانت الأم تهزّه بيديها، ما زال حاضرًا مع الحصيرة والطراحة.
أشياء تبدو بسيطة جدًا إذا نظرنا إلى كل واحدة منها منفردة، لكنها حين تجتمع أمامك تتحول إلى أرشيف حي لذاكرة مجتمع كامل.
وفجأة، القصص التي سمعناها طوال عمرنا عن أهلنا وأجدادنا لم تعد مجرد روايات تُحكى.
أصبحت أشياء نستطيع رؤيتها ولمسها، ونستطيع من خلالها أن نتخيّل شكل الحياة التي عاشوها: كيف كانوا يأكلون، وينامون، ويربّون أطفالهم، ويحفظون طعامهم، ويجتمعون، ويواجهون برد الشتاء وحر الصيف بإمكانات قليلة، لكن بروابط اجتماعية ربما كانت أكثر دفئًا.
وكانت صور الشيخ والشيخة من الموحدين الدروز حاضرة بقوة في أعمال الفنان، كجزء من هوية المكان وسرديته الروحية والعرفانية؛ حيث يمتزج الإنسان بالأرض، والإيمان بالحكمة، والذاكرة بالفن.
وهنا سألت نفسي: كم من تاريخنا ما زال موجودًا حولنا، لكننا لم نعد نتوقف لنراه؟
وكم من الأشياء القديمة تخلّصنا منها باسم الحداثة، قبل أن نفهم أنها لم تكن مجرد مقتنيات، بل شواهد على طريقة عيش كاملة؟
خرجنا من القبو لنلتقي بسيدة مميزة أعادتنا، من خلال الطعام، إلى ذاكرة أخرى.
لم يكن الغداء مجرد وجبة جاهزة وُضعت على الطاولة.
كان الطعام يُحضّر أمامنا، في تجربة حقيقية من الأرض إلى المائدة.
خبز القمح، البرغل والبندورة، الخيار، اللبن واللبنة، المناقيش على الصاج، والبيض بالقورما يُطهى على الحطب… روائح وأصوات ونكهات أعادت شيئًا قديمًا إلى الذاكرة.
وأنا أراقب الطعام يُحضّر، شعرت أن هناك ذاكرة لا تحتاج إلى كتاب حتى نستعيدها.
إنها موجودة في رائحة الخبز.
في صوت الصاج.
في نار الحطب.
في مذاق البندورة الخارجة من الأرض.
في لَمّة الناس حول المائدة.
وفي تلك النخوة والكرم وروح المرح التي كانت تجعل القليل كثيرًا حين نتقاسمه مع الآخرين.
إنها، إن صحّ التعبير، ذاكرة ثقافية ووجدانية محفورة فينا؛ تتكوّن منذ طفولتنا من الروائح والأصوات والأطعمة والقصص والأماكن والعلاقات، ثم قد يكفي مشهد صغير أو رائحة مألوفة حتى تستيقظ من جديد.
ربما لهذا السبب شعرنا بشيء من الألفة، وكأن المكان لم يكن غريبًا عنا.
ثم جاء الطين
جلسنا مع الفنان غاندي أبو دياب في تجربة أولى بالنحت والتشكيل. أمسك كل واحد منا قطعة من الأرض بين يديه، وبدأنا نصنع.
لم يكن المطلوب أن نصبح فنانين في ساعة.
كان المطلوب ببساطة أن نسمح لليدين بأن تتكلما.
وهنا تكمن بالنسبة إليّ قيمة العمل بالطين: أن تلامس اليد مادة جاءت من الأرض، وأن تتحول الفكرة شيئًا فشيئًا إلى شكل أمامك. في زمن نقضي فيه ساعات أمام الشاشات، يصبح مجرد العودة إلى العمل باليد تجربة مختلفة في الحضور والتركيز.
ومن الطين خرجت أشكال متعددة، لكن كثيرًا منها حمل، بطريقة أو بأخرى، معنى السلام والأمان والانتماء.
وهنا أدركت مرة أخرى لماذا أؤمن بهذه الرؤية الشمولية للإنسان والحياة؛ أن نجمع الطبيعة بالفن، والذاكرة بالوعي، والحركة بالسكون، والطعام بالأرض، والإنسان بالإنسان.
فالشفاء، بمفهومه الشمولي، لا يأتي دائمًا من الكلام أو من غرفة علاج.
أحيانًا نحتاج أن نمشي.
أن نلمس الأرض.
أن نصنع شيئًا بأيدينا.
أن نسمع قصة أجدادنا.
أن نجلس حول مائدة.
أن نضحك.
أن نتنفس بعمق.
وأن نمنح أجسادنا وأذهاننا، ولو لساعات قليلة، فرصة للخروج من إيقاع السرعة والضغط المستمر، والعودة إلى معنى أبسط للحضور والأمان والاتصال.
ربما نحن لا نحتاج دائمًا إلى إضافة المزيد إلى حياتنا.
أحيانًا نحتاج إلى استعادة ما فقدناه منها.
البساطة.
الوقت.
العلاقة مع الأرض.
الجلوس الحقيقي مع الآخر.
الطعام الذي نعرف من أين جاء.
والقدرة على أن نصمت قليلًا ونلاحظ ما يحدث في داخلنا وحولنا.
وكان أجمل ما في هذا اليوم أيضًا الأشخاص الذين شاركونا إياه؛ سيدات وشخصيات مميزة، لكل واحدة منهن قصة وتجربة وثقافة، وما أضافته إلى مجتمعها من عمل ومثابرة وحضور.
فالإنسان نفسه متحف حي.
كل شخص نلتقيه يحمل تاريخًا لا نراه، وتجارب غيّرته، ونجاحات وإخفاقات وذكريات ودروسًا يمكن أن نتعلّم منها إذا عرفنا كيف نصغي.
ولهذا كان اللقاء بالآخر جزءًا أساسيًا من التجربة.
حين نجلس مع شخص بقلب وعقل مفتوحين، لا نعود فقط بقصة جديدة عنه؛ قد نعود أحيانًا بفكرة جديدة عن أنفسنا.
أما الدرس الذي بقي معي بقوة في نهاية هذا اليوم، فكان كلمة واحدة: المثابرة.
أن ترى كيف استطاع فنان، بعمله المتواصل وحبه لتراثه وأرضه، أن يحوّل هذا المكان شيئًا فشيئًا إلى معلم ثقافي وفني وسياحي، تدرك أن الأشياء الجميلة لا تُبنى دفعة واحدة.
تُبنى قطعة قطعة.
حجرًا فوق حجر.
لوحة بعد لوحة.
وفكرة وراء فكرة.
وهذا ربما أحد أجمل دروس الطبيعة أيضًا.
الشجرة لا تستعجل نموها، لكنها لا تتوقف عنه.
النهر لا يحطم الصخر في يوم واحد، لكنه يستمر.
والإنسان كذلك، حين يعرف ما يريد ويمنح فكرته الوقت والعمل والمثابرة، يستطيع أن يحوّل ذاكرته وتجربته وحتى أحلامه الصغيرة إلى أثر يبقى بعده.
كان يومًا من تلك الأيام التي لا تنتهي عندما نعود إلى بيوتنا.
عدنا ونحن نحمل معنا رائحة الحطب، ملمس الطين، خرير الماء، ضوء الشمس بين الأشجار، طعم الخبز، حكايات الأجداد، وضحكات أشخاص ربما لم نكن نعرف بعضنا جيدًا في الصباح، لكننا عدنا أقرب في المساء.
وفي نهاية هذا اليوم أدركت أن ما نبحث عنه ليس مجرد رحلة إلى مكان جديد، بل تجربة شمولية تعيد وصل ما فصلته الحياة الحديثة في داخلنا:
الجسد بالطبيعة.
الذاكرة بالجذور.
الإبداع بالروح.
الفرد بالجماعة.
والإنسان بأرضه.
أن نكتشف لبنان، ولكن ليس لبنان الذي نمرّ بجانبه سريعًا من نافذة السيارة.
بل لبنان الموجود في الحجر والشجرة والرغيف واللوحة والحكاية والإنسان.
لبنان القرى التي تحمل تاريخها بصمت.
لبنان المرأة التي تخبز على الصاج.
لبنان الفنان الذي يحوّل ذاكرة أهله إلى لوحة.
لبنان البيت القديم الذي بقيت أرضيته شاهدة على أقدام أجيال مرّت فوقها.
ولبنان الإنسان الذي، رغم كل ما مرّ على هذه الأرض، ما زال قادرًا على أن يصنع الجمال.
وأن نكتشف، من خلال كل ذلك، شيئًا من أنفسنا.
ربما هذا هو المعنى الأعمق للشفاء الشمولي بالنسبة إليّ: ألا نهرب من الحياة بحثًا عن السلام، بل أن نتعلّم كيف نعيشها بوعي مختلف؛ كيف نستعيد علاقتنا بالأرض، وبذاكرتنا، وبأجسادنا، وبالآخر.
خرجت من الجاهلية بامتنان كبير للفنان غاندي أبو دياب، ولكل يد ساهمت في حفظ هذا المكان وذاكرته، ولكل شخص شاركنا هذه التجربة.
وبامتنان أكبر لهذه الأرض التي ما زالت، رغم كل ما مرّ عليها، قادرة على أن تفاجئنا بالجمال.
لأن الثقافة ليست فقط ما نقرأه في الكتب.
والتراث ليس فقط ما نضعه خلف زجاج المتاحف.
والشفاء ليس دائمًا شيئًا نبحث عنه بعيدًا.
أحيانًا تكون الثقافة تحت أقدامنا، والذاكرة في رائحة رغيف، والسلام في لوحة، والشفاء في لحظة حضور صادقة بين الإنسان والطبيعة.
كل شيء جميل من حولنا يحمل ثقافةً وذاكرةً وقصة… لكن علينا أحيانًا فقط أن نبطئ خطواتنا، ونصمت قليلًا، كي نراه ونشعر به من جديد.
إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير