
كاتب
“حياة” اللبناني في قوانين #العفو_العام والغاء عقوبة #الاعدام والاعلام
بقلم غسان صليبي
أقر مجلس النواب منذ يومين ثلاثة قوانين: قانون العفو العام وقانون إلغاء عقوبة الاعدام وقانون الإعلام. لفتني مفهوم “الحياة” في القوانين الثلاثة.
في قانون العفو العام جرى التمييز صراحة وضمنيا بين “حياة” المدني القتيل والعسكري القتيل. جريمة قاتل العسكري أُريدَ لها أن تبدو أكثر اجراما من جريمة قاتل المدني.
اعرف تماما الخلفية السياسية والمذهبية لهذا التمييز. لكن ما يهمني هو رفض هذا التمييز بين “حياة” المدني و”حياة” العسكري لصالح الثاني، من منطلق المساواة في “الحق في الحياة” عند الاثنين. خاصة وان المدني يُقتل بشكل عام وهو اعزل لا يستطيع الدفاع عن نفسه في حين ان العسكري يُقتل بشكل عام وهو يدافع عن نفسه، مما يجعل من الجريمة الأولى اشنع من الثانية.
اما اذا كانت المقارنة قائمة على خلفية اهمية “المؤسسة العسكرية”، وهي جد مهمة وخاصة في الحقبة الحالية على المستوى الوطني، فإن المواطنين المدنيين العزّل، لهم “مؤسستهم” أيضا وهي المجلس النيابي المفترض ان يمثلهم، كما إنهم وحسب الدستور وكشعب، مصدر جميع السلطات، بما فيها السلطة العسكرية.
في مسار إقرار قانون الغاء عقوبة الاعدام، وبعد إقراره، جرى التركيز على “الحق في الحياة” كحجة قانونية وأخلاقية. غير أن الناشطين الذين ناضلوا لعقود من أجل إقرار القانون، وفي طليعتهم وليد صليبي واوغاريت يونان، لم تقتصر حجتهم على حماية الحق في الحياة بل شملت واقع ان الاعدام لا يردع عن القتل، كما أنه كعقوبة لا يُصلِح في سلوك القاتل، بل يزيد من نزعته الاجرامية قبل اعدامه. وهم أرادوا تغيير مفهوم العقاب بشكل عام ليصبح وسيلة لتغيير سلوك المجرم وجعله مواطنا صالحا لا يتوخى الأذى للمواطنين امثاله.
للأسف قام المجلس النيابي الذي اقر قانون إلغاء عقوبة الاعدام، باستبدال الاعدام بالسجن المؤبد مع الأشغال الشاقة. اي انه حافظ على “الحياة” لكنه حوّلها الى جحيم. وبت أتساءل اذا كان المحكومون بالإعدام سيتمنون لو انهم أُعدموا بدل أن يعيشوا في حالة من القهر والعذاب طيلة ما تبقى من حياتهم.
هذه الوظيفة السادية وليس الاصلاحية التي يعطيها المشرّع اللبناني للعقاب، جرى الحفاظ عليها في قانون الإعلام الذي أجاز سجن الصحافيين، في استسهال مرفوض لقرار الحد من “الحياة” عبر جعلها مقتصرة على العيش بين جدران اربعة وفي ظل علاقات اجتماعية بين المساجين تغذي النقمة والغضب وتدفع نحو الأفعال الجرمية.
في بعض المجتمعات المسماة بدائية، اذا ارتكب أحدهم “جرماً”، تكاتف افراد المجتمع جميعهم لإبداء الحرص على مشاعره وحياته وتوفير ما يحتاجه من مساعدة، على اعتبار أن “الجرم” الذي ارتكبه هو دليل على أنه يعاني ويحتاج الى مساعدة، وهو بفعلته انما اراد الإعلان عن ذلك أمام الجميع.
دعكم من المقارنة بين هذه المجتمعات ومجتمعنا اللبناني، الذي تحوّل فيه القتل الى ممارسة سياسية عادية واصبح فيه الحد من الحرية ضرورة وطنية، بحيث لا يمكن مقاربة مفهوم “الحياة” في القوانين اللبنانية بدون وضعه في إطار هذه الثقافة العامة المجرمة والسائدة.
إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير