من قانون #العفو إلى إلغاء عقوبة #الإعدام

استباحة المجتمع اللبناني أصبحت مشروعة

استباحة المجتمع اللبناني أصبحت مشروعة

بقلم د. محمد غزيّل – خاص #بوابة_بيروت

@moghozeil

ما جرى في مجلس النواب اللبناني خلال الأيام الماضية ليس مجرد جلسة تشريعية عادية، ولا يمكن اختزاله في مجموعة قوانين أُقرّت ثم انتهى الأمر. ما جرى يستحق أن يُقرأ باعتباره مؤشراً خطيراً إلى الطريقة التي باتت تُدار بها الدولة اللبنانية. نواب يتفاعلون مع الأزمات، لكنهم لا يبادرون إلى منعها؛ يشرّعون تحت ضغط اللحظة، ثم يفتخرون بما فعلوا وكأن مجرد إصدار قانون يعني تحقيق إصلاح.

أُقرّ قانون العفو العام، ثم أُقرّ إلغاء عقوبة الإعدام بعد تعديل الاقتراح، إلى جانب قوانين أخرى في جلسة تشريعية شهدت سجالاً سياسياً حاداً. قد يختلف اللبنانيون حول عقوبة الإعدام، وقد يكون لكل طرف موقفه الحقوقي أو القانوني منها. لكن المشكلة الأعمق ليست في الموقف من الإعدام بحد ذاته. المشكلة في دولةٍ تبدو عاجزة عن بناء منظومة عدالة حقيقية، ثم تتعامل مع تخفيف العقوبات والعفو وإلغاء العقوبات القصوى وكأنها إنجازات إصلاحية قائمة بذاتها.

الإصلاح ليس أن نُلغي العقوبة قبل أن نُصلح القضاء، وليس أن نُفرج عن المحكومين قبل أن نسأل لماذا امتلأت السجون أصلاً، وليس أن نُخفف العقوبات بينما يبقى المواطن عاجزاً عن الحصول على حقه أمام قضاء سريع ومستقل. والإصلاح بالتأكيد ليس أن يصبح القانون أداة لمعالجة نتائج فشل الدولة، بدلاً من أن يكون وسيلة لمنع أسباب الفشل.

نواب العار يتفاعلون … ولا يبادرون

هذه هي المعضلة التي يجب أن نتوقف عندها. ينتظرون الانهيار كي يناقشوا الانهيار، وامتلاء السجون كي يناقشوا العفو، وعجز القضاء كي يناقشوا العقوبات، وينتظرون الانفجار الاجتماعي كي يتحركوا.

ثم، بعد كل ذلك، يخرجون إلى اللبنانيين ليقولوا إنهم قاموا بواجبهم التشريعي. لكن أين كان التشريع الاستباقي؟ وأين هي القوانين التي تمنع الجريمة قبل وقوعها؟ وأين هي إصلاحات القضاء التي تجعل العقوبة عادلة وسريعة ونافذة؟ أين هي سياسات إعادة التأهيل؟ وأين هي استراتيجية الدولة لمكافحة المخدرات والجريمة المنظّمة والعنف والاقتصاد غير الشرعي؟ وأين هي الدولة التي تحمي المجتمع قبل أن تضطر إلى إصدار قانون عفو عن جزء من الذين انتهكوا قوانينه؟

يفتخرون بما يفعلون … ظناً أنه إصلاح

المفارقة الأكثر إيلاماً أن بعض النواب يتعاملون مع هذه التشريعات باعتبارها انتصاراً تشريعياً، ويفتخرون بما يفعلون ظناً أنه إصلاح. لكن الإصلاح لا يُقاس بعدد القوانين التي يصوّت عليها المجلس. الإصلاح يُقاس بقدرة الدولة على جعل المواطن أكثر أمناً، والقانون أكثر هيبة، والقضاء أكثر استقلالاً، والمجرم أكثر خوفاً من العقوبة، والمواطن الصالح أكثر ثقة بدولته.

أما أن يصبح المواطن أمام دولة لا تستطيع أن تضمن له العدالة، ثم تُعيد تعريف العدالة عبر تخفيف العقوبات والعفو وإلغاء أقصى العقوبات، فهذه ليست دولة إصلاح. هذه إدارة للأزمة، وليست إدارة سياسية كما من المفترض أن تكون.

والفرق بين الإصلاح وإدارة الأزمة هو أن الأول يمنع تكرار المشكلة، بينما الثاني يجعل الدولة تتأقلم مع المشكلة حتى تصبح جزءاً من طبيعتها.

من العفو إلى إلغاء الإعدام … أين هي هيبة الدولة؟

قانون العفو العام ليس بالضرورة خطأ في ذاته. فالدول قد تلجأ إلى العفو في ظروف استثنائية وبمعايير دقيقة، وقد يكون له مبررات إنسانية أو اجتماعية أو سياسية محددة. لكن لبنان عَرف تاريخياً قوانين عفو متعددة، لأسباب تراوحت بين التسويات السياسية والانتخابية والسلم الأهلي ومعالجة أوضاع السجون. وهنا يجب أن يُطرح السؤال الذي لا يريد أحد طرحه. هل أصبح العفو في لبنان جزءاً من إدارة الدولة، أم أصبح بديلاً عن الدولة؟

لأن المجتمع الذي يعرف أن الدولة قد تعفو، ثم تعفو مرة أخرى، ثم تعفو مرة ثالثة، يبدأ بفقدان الإيمان بأن القانون نهائي. وعندما يفقد القانون نهائيته، تبدأ هيبة الدولة بالانهيار. أما إلغاء عقوبة الإعدام، فقد أقره المجلس بالفعل، واستُبدلت العقوبة القصوى بعقوبات سالبة للحرية وفق الصيغة التي أُقرت. وهنا أيضاً، لا بد من الفصل بين النقاش الحقوقي حول عقوبة الإعدام وبين واقع الدولة اللبنانية.

الدول التي تلغي عقوبة الإعدام يمكن أن تمتلك نظاماً قضائياً قوياً، وسجوناً آمنة، وعقوبات مؤبدة نافذة، وأجهزة أمنية فعّالة، ومنظومة عدالة تحمي المجتمع. أما في لبنان، فالسؤال الأكثر إلحاحاً هو، هل أصلحنا الدولة أولاً حتى نطمئن إلى نتائج هذا التحوّل التشريعي؟ فالاستباحة تبدأ عندما يصبح القانون بلا رهبة، والمجتمع لا يحتاج فقط إلى قوانين رحيمة. بل يحتاج أيضاً إلى قوانين مهيبة.

يحتاج إلى أن يعرف المواطن أن الدولة تحميه، وأن من يعتدي عليه سيُحاسب، وأن العقوبة ليست خاضعة لمزاج السياسة، ولا للتوازنات الطائفية، ولا للصفقات الانتخابية. وعندما يشعر المواطن أن القانون قابل للتفاوض، وأن العقوبة قابلة للتخفيض، وأن العفو يمكن أن يصبح قاعدة، وأن الدولة نفسها غير قادرة على تنفيذ أحكامها، فإن الرسالة التي تصل إلى المجتمع خطيرة جداً “القانون ليس رادعاً”. وهنا تبدأ استباحة المجتمع.

لا أحد يقول إن الحل هو السجون فقط، ولا أحد يقول إن العقوبات القاسية وحدها تصنع مجتمعاً آمناً. لكن الدولة التي لا تمتلك ردعاً فعالاً وعدالة مستقلة وسريعة وإعادة تأهيل حقيقية، لا تستطيع أن تطلب من المجتمع أن يبقى ملتزماً بقواعدها.

لبنان لا يحتاج نواباً يتفاعلون … بل نواباً يقودون

لبنان لا يحتاج مجلس نواب ينتظر المشكلة ثم يشرّع لمعالجتها. يحتاج مجلساً يقرأ المستقبل.

يحتاج نواباً يضعون سياسة جنائية وطنية متكاملة، ويعيدون بناء القضاء، ويعالجون أسباب الجريمة، ويواجهون المخدرات والجريمة المنظمة، ويضعون نظاماً حديثاً للسجون، ويضمنون تنفيذ الأحكام، ويحمون الضحايا، ويمنعون تسييس العدالة.

هذه هي السياسة. أما أن ننتظر الأزمة، ثم نُصدر قانوناً، ثم نصف أنفسنا بأننا قمنا بالإصلاح، فهذه ليست دولة حديثة.هذه دولة تتفاعل مع نتائج فشلها. ولذلك، فإن الخطر الحقيقي ليس في قانون واحد. الخطر في الثقافة السياسية التي تجعل السياسي يفتخر بأنه عالج نتيجة المشكلة، بينما لم يفكر يوماً في معالجة سببها.

لقد أصبح اللبناني أمام سؤال أكبر من قانون العفو أو إلغاء الإعدام: هل ما زالت الدولة اللبنانية تريد أن تكون دولة قانون، أم أنها تتحوّل تدريجياً إلى دولة قوانين بلا هيبة؟ فحين يصبح العفو أسهل من العدالة، والعقوبة أضعف من الجريمة، والقانون أبطأ من الخارجين عليه، والسياسة أقوى من المؤسسات، لا تعود المسألة إصلاحاً تشريعياً.

إنها بداية استباحة للمجتمع تحت غطاء القانون. والأخطر من كل ذلك أن بعض من يصنعون هذه المنظومة يصفقون لأنفسهم وهم يظنون أنهم يُصلحون لبنان. لكن التاريخ لن يسألهم كم قانوناً أقروا. سيسألهم سؤالاً واحداً: هل جعلتم لبنان أكثر أمناً وعدلاً وهيبةً، أم جعلتم مخالفة القانون أقل كلفة؟

إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير
اخترنا لك