
كاتب جنوبي
خاص بوابة بيروت
في الرابع من آب “2020”، حين مزّقت حوالى 2000 طنٍّ من نيترات الأمونيوم مرفأ بيروت، لم يكتفِ الانفجار بتحطيم الأرواح والأحياء، بل نسف آخر ما تبقّى من الطلاء الديمقراطي لأمّةٍ بأسرها. بالنسبة إلى المراقبين البعيدين، وُصِف الحدث بمأساة الإهمال أو بعارضٍ من عوارض “الدولة الفاشلة”. هذا تشخيص خاطئ.
فهذه الكارثة، شأنها شأن الانهيار المالي غير المسبوق الذي سبقها عام “2019”، ليست نتاج عطلٍ في المنظومة، بل نتيجتها المنطقية، بل الحتمية الرياضية تقريبًا. في لبنان، “المافيا” ليست تنظيمًا سرّيًا يتسلّل إلى بُنى السلطة لإفساد عناصرها؛ إنّها حلّت محلّ جهاز الدولة نفسه. نحن لسنا أمام أزمة نفوذ، بل أمام عملية ابتلاع بيولوجي وشامل.
لفهم هذا التحوّل الفريد في سجلات الجريمة السياسية الحديثة، لا بدّ من التخلّي عن الصورة الكلاسيكية لعصابة “كوزا نوسترا”. فالمافيا اللبنانية لا تختبئ في الظلّ: إنّها تجلس في مجلس الوزراء، وتشرّع في البرلمان، وتدير المصارف التجارية، وتتدثّر بالشرعية المقدّسة للسلطات الدينية. وُلد هذا التكتّل متعدّد الرؤوس على أنقاض الحرب الأهلية “1975-1990″، حين استبدل أمراء الحرب بزّاتهم العسكرية ببدلات السياسيين، مكرّسين نظام المحاصصة الطائفية كريعٍ دائم على الموارد العامة.
بعد ثلاثين عامًا، حصيلة هذا التطفّل لا مثيل لها: اقتصاد تحوّل إلى هرم بونزي مؤسّساتي ضخم، وقضاء فُكِّك لضمان إفلات الأقوياء من العقاب، وشعب مأخوذ رهينة، مُختَزَل إلى الاعتماد، في بقائه اليومي، على الفتات الذي يوزّعه عليه أولئك الذين نهبوه بالذات.
من الجذور التاريخية لميثاق الإفلات من العقاب هذا، إلى تفرّعات منظومة مصرفية متواطئة، وصولًا إلى تحوّلاته الأخيرة في اقتصاد أصبح اليوم “مدولرًا” بالكامل وغير رسمي، يغوص هذا التحليل في قلب “لبنان ش.م.ل”، مؤسسة إجرامية سيادية في طور تصفية أصولها الخاصة.
البنية المافيوية اللبنانية ليست شذوذًا وليد التفكّك المؤسّساتي الأخير؛ بل هي محفورة في صميم الصيغة السياسية للبلد. ولفهم نشأتها، لا بدّ من تحليل الكيفية التي حُرِّف بها نظام صُمِّم أصلًا لحماية التعدّدية الطائفية، بمنهجية، ليصبح أنجع أدوات الافتراس.
تقوم شهادة ميلاد لبنان الحديث على الميثاق الوطني لعام “1943”، وهو اتفاق غير مكتوب يوزّع الرئاسات الثلاث “الجمهورية، الحكومة، البرلمان” والمناصب الأساسية في الإدارة وفقًا لمعايير طائفية. وإذا كانت النيّة المعلنة تأمين التوازن بين المسيحيين والمسلمين، فإن الأثر المنحرف كان فوريًا: لم تُفكَّر الدولة يومًا كتجسيد للمصلحة العامة، بل كقالب حلوى يُقسَّم.
كلّ زعيم طائفة نال احتكارًا فعليًّا لقطاعات كاملة من الجهاز العام. الوزارات ليست أدوات حكم، بل مكاتب تجارية. لا تُستخدم وزارة الاتصالات أو وزارة الطاقة لتقديم خدمات للمواطنين، بل لتوليد تدفّقات مالية ضخمة للأحزاب الحاكمة، وتوزيع آلاف الوظائف العامة الوهميّة على قاعدة انتخابية متفق عليها ويُعاد تركيبها. إنّها الزبائنية وقد ارتقت إلى مصاف بنية للدولة.
النظام الطائفي “الطائف – احتكار الزعماء للوزارات – تحويل الأموال العامة – شراء الولاء الزبائني”.
وإن كانت الجذور قديمة، فإنّ المأسسة الحقيقية للمافيا الحديثة حصلت في نهاية الحرب الأهلية “1975-1990”. اتفاق الطائف، الموقّع عام “1989”، أعاد توازن السلطات لصالح رئيس الوزراء السنّي ورئيس مجلس النواب الشيعي، مع الحفاظ على منطق المحاصصة الطائفية. غير أنّ الانقلاب المفاهيمي الحقيقي وقع في “26 آب 1991″، مع التصويت على قانون العفو العام عن جرائم الحرب.
شكّل هذا الحدث شهادة الميلاد الرسمية للكليبتوقراطية اللبنانية: الإفلات من العقاب مرفوعًا إلى مرتبة القانون. فبتبييض قادة الميليشيات المسؤولين عن المجازر والنهب، تُقرّ الدولة فكرة أن السلطة المطلقة داخل القانون فوق القانون.
لم يغادر أمراء الحرب المشهد، بل استبدلوا البزّة العسكرية ببدلة مدنية. زعماء الفصائل المتنافسة الرئيسية جلسوا حول الطاولة الحكومية ذاتها.
إذ لم تعد لديها جبهات إقليمية للدفاع عنها، تقاسمت الميليشيات الاحتكارات الاقتصادية للبلد: إستيراد المحروقات، معامل الإسمنت، إدارة النفايات، وكالات السفر، شركات الاتصالات، وصولًا إلى شركات الأمن الخاص.
وجد هذا الميثاق النخبوي صدى في تواطؤ مجتمعي منتشر، نظّر له مفهوم “الشطارة” – “الدهاء، البراعة في الالتفاف على القاعدة”. ونظرًا للغياب التاريخي لدولة راعية قادرة على ضمان الوصول إلى الماء والكهرباء والصحة، اضطُرّ المواطن إلى الاتكال على الشبكة، والواسطة، وغير الرسمي.
استغلّت المافيا اللبنانية هذه الثغرة باقتدار: بتدميرها المنهجي لأيّ محاولة لبناء دولة قانون فعّالة، جعلت نفسها لا غنى عنها. لم يعد مسار القانون يُدرَك كمرجع، بل كقيد يُلتَفّ عليه بمهارات البقاء. وبإدماج الشعب في هذا الفساد اليومي الصغير، خفّفت الأوليغارشية من المسؤولية الأخلاقية عن فسادها الكبير، مكرِّسة هذا الفساد بميثاق صمت وطني دام قرابة ثلاثين عامًا.
إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير