
كاتب جنوبي
لبنان… شركة مساهمة “ج٣”
خاص بوابة بيروت
لم يقتل الانهيار المالي عام 2019 وانفجار مرفأ بيروت عام 2020 الأخطبوط اللبناني؛ بل عجّلا بتحوّله البيولوجي الأخير. فبتدمير الاقتصاد الرسمي، ابتكرت النخب منظومة جديدة مفصّلة على قياسها، خالية من أيّ تنظيم ومحصّنة من العقوبات.
مع إفلاس القطاع المصرفي، انتقل لبنان إلى اقتصاد قائم بشكل شبه حصري على النقد الورقي والدولرة الجامحة. وصف البنك الدولي هذا الوضع بـ”اقتصاد النقد”، مقدّرًا أنّه يمثّل أكثر من نصف الناتج المحلي الإجمالي الوطني.
بعيدًا من كونه مصدر إزعاج للطبقة الحاكمة، فإنّ اختفاء المعاملات الإلكترونية هذا شكّل نعمة مافيوية. فالنقد يذيب إمكانية التتبّع. حقائب الأوراق الخضراء، التي تعبر المطار والحدود البرية مع سوريا، كانت تغذّي شبكات صرافة غير رسمية وشركات تحويل أموال تسيطر عليها بعض الأحزاب السياسية من وراء ستار. أتاحت المنظومة تبييض أموال تجارة المخدّرات، وتهريب المحروقات، واختلاس المساعدات الإنسانية الدولية، في ظاهر قانونيّ تامّ.
أصبح البلد مغسلة أموال عملاقة في العراء، منقطعة عن المعايير الدولية لمكافحة غسل الأموال.
التدفّقات الإجرامية: كبتاغون مهرّب ← اقتصاد النقد غير القابل للتتبّع ← مكاتب صرافة مسيّسة ← إعادة ضخّ في الاقتصاد المدولر.
جرى الاختبار الأخير للسيادة الإجراميّة على أرض القضاء، بعد مأساة الرابع من آب 2020. اصطدم التحقيق الذي قاده القاضي طارق البيطار لتحديد المسؤوليات عن انفجار مرفأ بيروت بجدار إسمنتي مؤسّساتي، يُظهر درجة تحلّل الجهاز القضائي.
فما إن حاول القاضي استدعاء مسؤولين سياسيّين وأمنييّن كبار، من مختلف الانتماءات الطائفية، حتى تحرّكت آلة الإفلات من العقاب بأشكال مختلفة:
– حرب استنزاف إجرائية: تقدّم الوزراء والنواب الملاحقون بعشرات دعاوى ردّ القاضي بحجّة الشبهة المشروعة، ما أدّى إلى تعليق التحقيق تلقائيًا مرارًا وتكرارًا.
– تهديدات جسدية وسياسية: هدّد مسؤولون أمنيون علنًا بـ”إنزال” القاضي البيطار. نُظّمت تظاهرات مسلّحة في بيروت للمطالبة بإقالته، تدهورت إلى مواجهات شارعية دامية.
– الانقلاب القضائي المضادّ: في كانون الثاني/يناير 2023، أمر المدّعي العام التمييزي، المرتبط هو نفسه بالطبقة السياسية، بالإفراج عن جميع الموقوفين في إطار التحقيق، ولاحق القاضي البيطار بتهمة “اغتصاب السلطة”. هكذا التهم الهرم القضائي استقلاليّته الخاصة لحماية زعامات المنظومة المافيوية.
يفرض التحليل السريري للحالة اللبنانية تفكيك مفهوم رومانسي لكن سامّ، كثيرًا ما يُلصَق بشعبها: مفهوم “المرونة”. إنّ الاحتفاء بقدرة اللبنانيين على البقاء من دون كهرباء، أو إعادة بناء متاجرهم المدمّرة في غضون أسابيع، أو التكيّف مع إفلاس مصارفهم، هو سوء فهم مأساوي. هذه المرونة ليست فضيلة، بل هي المخدّر الذي يُبقي المنظومة قائمة. إنّها نتاج آلية بقاء قسرية. بتحويلها وظائف الدولة إلى القطاع غير الرسمي وشبكات التضامن الأهلي، فإنّها تعفي مجرمي السلطة من أيّ مسؤولية. كلّ مرّة يشتري فيها مواطن مولّده الكهربائي الخاص، أو يموّل علاجه عبر قناة خاصّة، فهو يُصادق على استقالة الدولة ويُطيل بقاء الكارتل.
لبنان ليس دولة فاشلة تنتظر إصلاحات أو خطة إنقاذ من صندوق النقد الدولي. إنّه دولة ناجحة تمامًا من منظار حكّامها: استخراج الثروة الجماعية حتى آخر قطرة، خصخصة الأرباح، تعميم الخسائر، وضمان إفلات أبدي من العقاب عبر الابتزاز بشبح الحرب الأهلية.
يُظهر الانتقال نحو دولة مسنودة باقتصاد نقدي أنّ الأخطبوط أتمّ مسار الابتلاع. جسد الدولة أصبح اليوم قوقعة فارغة، خيالًا قانونيًا مفيدًا للجلوس في الأمم المتحدة وإصدار جوازات السفر، لكن أعضاءه الحيوية قد هُضمت بالكامل. وطالما استمر المجتمع الدولي والفاعلون المحليون في التعامل مع هذه الأزمة كمجرّد مشكلة حوكمة أو فساد مالي، سيبقى التشخيص خاطئًا.
لبنان لا يعاني من أزمة في مؤسّساته؛ إنّه محتلّ من منظومة مافيوية سيادية، يشكّل تدمير الأمّة بالنسبة إليها، وقد كان دومًا، نموذج عمل بالغ الربحية.
إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير