لبنان… شركة مساهمة

"ج٢" كيف تحوّل لبنان إلى شبكة مصالح تحمي الفساد والسلاح والنفوذ؟

خاص بوابة بيروت

لم يعتمد ابتلاع الدولة اللبنانية على دكتاتورية عسكرية عامودية، بل على شبكة أفقية من النخب المترابطة. أربع ركائز مؤسّساتية تضافرت في تكافل مثالي لإحكام قبضة السلطة، واستخراج الثروات، وسدّ أيّ إمكانية للإصلاح:

أ. النخبة السياسية، مهندسو الفراغ المؤسّساتي:

في قمّة البنية يجلس زعماء الأحزاب الطائفية، يتصرّفون كأعضاء مجلس إدارة لمؤسّسة افتراس. دورهم هو شلّ الدولة بمنهجية للتأكّد من عدم بروز أيّ هيئة رقابة مستقلّة.

يُضمَن الوصول إلى الموارد العامة عبر آلية “التوافق”، بحجّة تجنّب توتّرات طائفية جديدة. لا يمكن اتّخاذ أيّ قرار كبير من دون موافقة جميع الزعامات الطائفية. في الواقع، هذا التوافق أداة ابتزاز. إذا لم يحصل حزب على حصّته من صفقة عامة (سواء تعلّق الأمر بإدارة الكهرباء أو شبكة الاتصالات أو إدارة النفايات)، فإنّه يعطّل تشكيل الحكومات أو يشلّ البرلمان لأشهر. وهكذا تُبقى الدولة في موت سريري مصطنع، تاركة المجال مفتوحًا للشبكات غير الرسمية التي تسيطر عليها الأحزاب.

ب. كارتل المصارف:

هذا هو القلب المالي للمنظومة والخاصية الأكثر تدميرًا في النموذج اللبناني. طوال ثلاثة عقود، جمع تحالفٌ زبائني مصرف لبنان — تحت حكم رياض سلامة الطويل — والمصارف التجارية الخاصّة والنخبة السياسية. فالمسؤولون السياسيون ومقرّبوهم هم، بنسبة ساحقة، المساهمون الرئيسيون أو المستفيدون من المصارف الكبرى في البلد.

نظّم هذا الكارتل ما وصفه البنك الدولي رسميًا بـ”الكساد المتعمّد”، عبر هرم بونزي مؤسّساتي ضخم. كانت المصارف التجارية تجذب دولارات المغتربين والمودعين المحليين بعروض فوائد غير واقعية (تتجاوز أحيانًا 15%). هذه الدولارات تُحوَّل فورًا إلى المصرف المركزي (مصرف لبنان) على شكل شهادات إيداع.

مصرف لبنان يُقرض هذه العملات لاحقًا لدولة معروفة بفسادها، لتمويل نمط عيشها، ودعم احتكارات الاستيراد التي يسيطر عليها السياسيون، والحفاظ اصطناعيًا على سعر صرف ثابت لليرة اللبنانية.

وحين جفّت تدفّقات رؤوس الأموال الجديدة عام 2019، انهارت المنظومة، مبتلعةً أكثر من 100 مليار دولار من ودائع شعب بأكمله، نهبته نخبته المالية نفسها.

ج. ثنائية العنف، عدم التماثل الأمني:

لحماية هذا المستوى من النهب، تعتمد المافيا اللبنانية على بنية إكراه فريدة، تتّسم بتعايش غير متكافئ.

– تحييد القوى الرسمية: الجيش اللبناني وقوى الأمن الداخلي نفسها تخترقها خطوط الانقسام الطائفي. ميزانياتها شحيحة، وتعيينات كبار ضبّاطها تتوقّف مباشرة على إرادة الزعماء السياسيين. تُستخدَم لقمع الاحتجاج الاجتماعي أو مراقبة المعارضين، لكنّها تبقى عاجزة أمام شبكات التهريب الكبرى.

– البنية الموازية للحزب المهيمن: أمام دولة منزوعة السلاح، إمتلك الحزب الشيعي جيشًا خاصًا مفرط التسليح وترسانة صاروخية تفوق بكثير قدرات الجيش النظامي. وفيما كان الحزب يدّعي مواجهة المنظومة، فإنّه كان حارسها الأخير. في تشرين الأول/أكتوبر 2019، حين نزل مئات آلاف اللبنانيين إلى الشارع مطالبين بسقوط الطبقة السياسية (“كلّن يعني كلّن”)، كان أنصار الثنائي الطائفي المهيمن هم من هاجم خيام المحتجّين جسديًا. الجهاز العسكري للحزب كان يعمل كدرع حماية للأمر الواقع الكليبتوقراطي.

د. السلطات الدينية، حارسة المعبد:

الركيزة الأخيرة للأخطبوط روحية. لعبت البطريركيات المسيحية وأعلى المرجعيات السنّية والشيعية دورًا سياسيًا واقتصاديًا بارزًا. مقابل دعمها الثابت لزعماء طوائفها، تمتّعت تلك المؤسّسات الدينية باستقلالية مالية وقضائية كاملة.

أدارت تلك المؤسّسات محاكم الأحوال الشخصية (الزواج، الإرث، حضانة الأطفال)، ما يمنع بروز قانون مدني موحّد يحرّر المواطن من الوصاية الطائفية. والأهمّ أنّ السلطات الدينية توفّر ملجأً أخلاقيًا للسياسيين الفاسدين. فما إن يحاول قاضٍ التحقيق في اختلاس أموال أو في انفجار مرفأ بيروت، حتى تصرخ السلطة الدينية المعنية بـ”الاضطهاد السياسي أو الطائفي”، فتُعرقَل فورًا حركة العدالة باسم السلم الأهلي. هكذا يُوظَّف المقدّس لتحصين إفلات الدنيوي من العقاب.

لا يمكن للمافيا اللبنانية أن تصمد في عزلة. قوّتها كانت تكمن في قدرتها على مدّ تفرّعاتها إلى ما وراء الحدود، فربطت الافتراس المحلي بالديناميات الجيوسياسية الإقليمية وشبكات الجريمة العالمية. بعيدًا عن العزلة، فإنّها بدت مندمجة تمامًا في عولمة القطاع غير الرسمي.

كلّ فصيل من فصائل الأوليغارشية كان مسنودًا براعٍ دولتي أجنبي، ما أتاح للفاعلين المحليين تخريب أيّ معارضة سياسية بتحويلها إلى نزاع جيوسياسي كبير.

المحور الشيعي كان متكئًا على الجمهورية الإسلامية الإيرانية. تزويد بالسلاح ورؤوس أموال خارج المنظومة الرسمية وغطاء عقائدي لمحور “المقاومة”.

الكتل السنّية وحلفاؤها في دول الخليج. تمويل تاريخي للبنى التحتية وثقل مالي / دبلوماسي مضادّ للنفوذ الإيراني.

النخب المسيحية والليبرالية. فرنسا / الولايات المتحدة / الغرب. قنوات دبلوماسية، حماية للأصول المالية في الخارج، وتدفّق للمساعدات الإنسانية الدولية.

خلق هذا الاعتماد الخارجي حصانة جيوسياسية. النخب المحلية الحاكمة كانت تعلم أنّ القوى الغربية أو الإقليمية ستتجنّب دائمًا دفع الكارتل نحو انهيار كامل، خشية اندلاع حرب أهلية أو زعزعة الاستقرار في شرق المتوسط.

يُظهر لبنان شذوذًا ديموغرافيًا: يُقدَّر أنّ ما بين 12 و14 مليون شخص من أصل لبناني يعيشون في الخارج، مقابل ما يزيد قليلًا على 5 ملايين مقيم. لعقود، كان هذا الشتات، رغمًا عنه، المموّل الرئيسي للكليبتوقراطية.

مثّلت تحويلات الشتات المالية لفترة طويلة أكثر من 20 إلى 25% من الناتج المحلي الإجمالي الوطني. كان هذا المال الطازج، المُرسَل لإعالة الأسر المقيمة، يدخل مباشرة إلى المنظومة المصرفية اللبنانية، لتلتقطه فورًا آلية بونزي الدولة للحفاظ على نمط عيش الحكّام. وحتى بعد انهيار 2019، لا يزال الشتات يعمل كصمّام أمان اجتماعي عبر تحويلات نقدية أو مساعدات طبية. فبتمويله بقاء المقيمين اليومي بدلًا من دولة فاشلة، أعفى الشتات اللبناني المافيا الحاكمة، عن قصد أو من دون قصد، من التزاماتها في الحكم، مطيلًا بذلك احتضار المنظومة.

أرغم انهيار النموذج المصرفي التقليدي المافيا اللبنانية على تحوّل عنيف نحو أشكال أكثر عدوانية من الجريمة العابرة للحدود. هكذا أصبح لبنان، بتكافل مع سوريا المجاورة، مركزًا عالميًا لإنتاج وتهريب الكبتاغون الذي يُعتبر منشّطًا رخيصًا مولّدًا للإدمان الشديد.

عملت بنية تجارة المخدّرات، بشكل مثالي، على ابتلاع المؤسّسات:

– الإنتاج واللوجستيات: تنتشر المختبرات السرّية على نطاق واسع في مناطق خارج سلطة القانون في سهل البقاع، تحت حماية ميليشيات محلية وبُنى شبه عسكرية.

– اختراق بُنى التصدير: الملايين من حبوب المخدّرات كانت تُخفى داخل شحنات مزيّفة من الفاكهة أو الآلات الصناعية، وتمرّ مباشرة عبر مرفأ بيروت أو المطار الدولي، بنيتين تحتيّتين عامّتين، سيطرت الأحزاب الحاكمة سيطرة كاملة على مراقبتهما الجمركية والأمنية.

– الشبكات العالمية: تدرّ هذه التجارة مليارات الدولارات نقدًا سنويًا. تروي أسواق الخليج وتربط لبنان بالكارتلات الدولية وشبكات غسيل الأموال العالمية. انتقل البلد من صفة “سويسرا الشرق الأوسط” إلى دولة مخدّرات “سيّدة”.

يتبع…

إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير
اخترنا لك