
كاتب لبناني
خاص بوابة بيروت
في بلد يُطلب من الموظف والمتقاعد والمواطن أن يتحملوا نتائج الأزمة، ويُقال للمودع إن الدولة عاجزة عن إعادة أمواله، تبدو بعض الأخبار الآتية من داخل المؤسسات الرسمية وكأنها من زمن آخر.
منذ مدة، تتداول معلومات عن مبلغ يقارب 1.3 مليون دولار لأعمال تنظيف وصيانة مرتبطة بمرافق مجلس النواب.
هل الرقم صحيح؟
إذا لم يكن صحيحًا، فليُنْفَ علنًا. وإذا كان صحيحًا، فليُنشر العقد وتفاصيله.
فالمواطن لا يطلب المستحيل… بل يطلب أن يعرف كيف يُصرف المال الذي يدفعه من جيبه.
ولأن الموضوع، بحسب ما هو متداول، أصبح شديد الحساسية، بقيت تفاصيله خارج دائرة النقاش العلني والمحاسبة، رغم أن الشفافية في إدارة المال العام يفترض أن تكون ممارسة يومية لا شعارًا يُرفع عند الحاجة.
ابتسامة… و«حق طبيعي»!
وتكتمل المفارقة بصورة لا تحتاج إلى كثير من التعليق:
إطلالة نائبة بابتسامة عريضة، لتستغرب كيف تمكّن الإعلام من كشف الزيادة، مؤكدة أن النواب يتقاضونها منذ بداية العام، وأنها «حق طبيعي لهم».
وهنا وقف المواطن، بكل بساطة وذهول، وشريط أفكاره يمرّ سريعًا أمام عينيه.
تذكّر متى أُقرت زيادته، وكيف جرى الحديث عن تقسيطها على 12 شهرًا حتى لا تُرهق الخزينة، وتذكّر الأعذار عن عدم وفرة المال، والوعود المتكررة بالشفافية والإصلاح، وتذكّر أيضًا فرض زيادة فورية، ومن دون قانون، على سعر تنكة البنزين، وإضافة 1% إلى الـTVA بحجة تأمين زيادة راتبه!
وطال الانتظار… ليتفاجأ اليوم بأن زيادة مخصصات النائب كانت «حقًا طبيعيًا» تُدفع منذ بداية العام!
وبدأ يكلم نفسه ويتساءل:
إذا كانت زيادة مخصصات النائب «حقًا طبيعيًا» تُدفع بهذه السرعة، فلماذا تحتاج زيادة الموظف إلى كل هذا الانتظار والتقسيط والتبرير؟
هل خزينة الدولة ترهقها حقوق الناس فقط؟
وإذا كان المال موجودًا عندما يتعلق الأمر بالسلطة، فلماذا يصبح نادرًا عندما يتعلق الأمر بالمواطن؟
أين هو الخلل؟ في المال… أم في الأولويات… أم فيمن يدير المال العام؟
وهل النواب فعلًا نواب الأمة، أم أن بعضهم ما زال يتعامل مع الدولة وكأنها مجموعة مناطق ومزارع، لكل منها صاحب نفوذ وحساباته الخاصة؟
هل تجاوزنا زمن الإقطاع فعلًا، أم أننا استبدلنا إقطاع الأرض بإقطاع النفوذ والقرار والمال العام؟
المشكلة ليست في الحمّامات
لنكن منصفين.
تنظيف وصيانة مرافق مجلس النواب أمر طبيعي.
لكن غير الطبيعي هو أن تبقى الكلفة وطريقة التلزيم وأولويات الإنفاق بعيدة عن الضوء.
لا نريد اتهامات بلا دليل، ولا فضائح للاستهلاك الإعلامي.
نريد فقط إجابة واضحة:
أين تذهب أموال الدولة؟ ومن يقرر كيف تُنفق؟
لأن المواطن الذي يُطلب منه التقشف، ودفع المزيد من الضرائب والرسوم، وتحمل انهيار قيمة مدخراته، يملك كامل الحق في أن يرى التقشف والشفافية يبدأان من فوق، لا من جيبه فقط.
المشكلة ليست في حمّامات البرلمان… المشكلة أن المال العام يبدو نظيفًا وسهل الصرف عندما يصل إلى أهل السلطة، بينما يصبح شحيحًا ومُعقّدًا عندما يتعلق بحقوق الناس.
إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير