خاص بوابة بيروت
منذ أن حطّت طائرة Air France في مطار طهران في 1 شباط/فبراير 1979، وعلى متنها آية الله روح الله الخميني، دخلت إيران مرحلة تاريخية جديدة. كان المشهد يومها يحمل كل عناصر الأسطورة: رجل دين عائد من المنفى، نظام ملكي ينهار، ملايين الإيرانيين في الشوارع، وشعارات تتحدث عن الحرية والعدالة وكرامة «المستضعفين».
الثورة التي بشّرت بالحرية سرعان ما بدأت تأكل أبناءها.
لم يكد النظام الجديد يستقر حتى بدأ بتصفية حلفائه وخصومه السياسيين والفكريين: ليبراليين ويساريين وقوميين وملكيين ومثقفين، ثم رجال دين وسياسيين اختلفوا مع القيادة الجديدة. أصبح السجن والإعدام والنفي والإقصاء أدوات لترسيخ النظام، وبالتوازي نشأ الحرس الثوري، الذي لم يتحول إلى مؤسسة عسكرية فحسب، بل إلى قوة سياسية وأمنية واقتصادية هائلة، وحارس للنظام أكثر منه حارساً للحدود.
كما أن المشروع لم يتوقف عند حدود إيران.
فالخميني نظر إلى الثورة باعتبارها نموذجاً قابلاً للتصدير، ومن هنا نشأت عقيدة «تصدير الثورة»، التي تحولت مع الوقت إلى أيديولوجيا خشبية وشبكة واسعة من الأحزاب والميليشيات والتنظيمات والمؤسسات المرتبطة بإيران في المنطقة. ثم جاء فيلق القدس ليصبح الذراع الخارجية للحرس الثوري، يدير علاقات إيران وعملياتها ونفوذها في دول عدة.
هنا حدث التحول الأساسي: بدلاً من سياسة خارجية تقوم على العلاقات بين الدول، بدأت إيران تبني داخل دول أخرى قوى موازية للدولة، عسكرية وسياسية واجتماعية وإعلامية، تستطيع من خلالها توسيع نفوذها من دون أن تتحمل دائماً الكلفة المباشرة للحرب.
في لبنان أصبح حزب الله أبرز أدوات هذا المشروع. وفي العراق دعمت إيران قوى سياسية وعسكرية مرتبطة بها. وفي سوريا وقفت إلى جانب نظام بشار الأسد. وفي اليمن دعمت الحوثيين. وهكذا تشكل ما عُرف بـ«محور المقاومة».
ماذا كانت حصيلة هذا المشروع بعد 47 عاماً؟
من الصعب تحديد التكلفة المالية الإجمالية بدقة. فالإنفاق العسكري والنووي، وتمويل الحلفاء، والدعم اللوجستي، وكلفة العقوبات والعزلة الدولية، كلها ملفات معقدة. لكن المؤكد أن إيران أنفقت موارد هائلة على بناء قوتها العسكرية وشبكات نفوذها، بينما عانى الإيرانيون من التضخم والعقوبات وتدهور العملة وتآكل القدرة الشرائية والبطالة.
تكمن المفارقة في التالي: بلد يمتلك النفط والغاز والثروة البشرية والحضارة العريقة والسوق الواسعة، ما زال جزء كبير من شعبه يسأل عن الكهرباء والماء والعمل والطبابة والتعليم.
السؤال الذي ينبغي طرحه على الدول التي امتد إليها النفوذ الإيراني:
هل أصبح العراق أكثر سيادة وازدهاراً؟
هل أصبحت سوريا أكثر أمناً واستقراراً؟
هل أصبح اليمن أقل فقراً وجوعاً؟
وهل أصبح لبنان أقوى دولة ومؤسسات واقتصاداً؟
قد يقدم أنصار إيران إجابات مختلفة، وقد يشيرون إلى أن القوى التابعة لها قاتلت إسرائيل والولايات المتحدة والجماعات الجهادية. ولا يجوز تجاهل هذه الوقائع عند تقييم الصورة. لكن النتيجة النهائية لا تُقاس بالشعارات، بل بما آل إليه حال المجتمعات التي خاضت هذه الحروب.
الفضيحة الكبرى كانت في ما كان ولا زال يُعرف باسم «الإعلام المقاوم».
أنفق النظام الإيراني أموالاً طائلة تحت بند الإعلام المقاوم. هذا الإعلام متعدد الأوجه والجنسيات والاختصاصات تلقى مبالغ ضخمة ذهبت لتمويل جيش مدني مكوّن من آلاف الإعلاميين في مختلف البلدان العربية. مهمته كانت بسيطة ويمكن تلخيصها بجملة واحدة: تحويل الكذبة إلى حقيقة في عقول المستمعين والقارئين.
النظام الإيراني الاستبدادي، المغلق أيديولوجياً والفاشل في الداخل والخارج (على غرار الاتحاد السوڤياتي وربما أقل بكثير) كان بحاجة ماسة لتجميل الفشل وتبرير الخسائر وتصوير الهزائم كانتصارات. الهدف من ذلك: المحافظة على مكانة وصورة النظام القوي والناجح أمام شعبه والشعوب العربية المفقرة والمقموعة والمتعطشة للأوهام والخرافات.
كان دور العديد من الكتّاب والمثقفين وحملة الشهادات الجامعية مهماً في تزييف الوقائع وتحويل الأكاذيب إلى حقائق. بعض هؤلاء سخّروا أنفسهم مجاناً، وفي معظم الأوقات مقابل رواتب شهرية أو مدفوعات نقدية أو خدمات شخصية أو عائلية، لنشر الأكاذيب عبر ما كانوا يسمونه تحليلات سياسية ودراسات علمية ومقالات ثقافية.
لم يعد الإعلام يكتفي بتغطية الحرب، بل أصبح أحياناً جزءاً من الحرب نفسها: إدارة الوعي وتزييفه، وتجميل الفشل، والمحافظة على صورة القوة والانتصار الدائم.
لبنان كان الخاسر الأكبر في أسطورة تصدير الثورة..
في 8 تشرين الأول/أكتوبر 2023، فتح حزب الله الجبهة اللبنانية تحت عنوان «إسناد غزة». قيل إن الهدف كان تخفيف الضغط عن الفلسطينيين واستنزاف إسرائيل ومنعها من التفرغ للحرب في القطاع.
وخلال الأشهر التالية، توالى الموفدون الدوليون والعرب إلى بيروت محذرين من خطر توسع المواجهة، وداعين إلى وقف التصعيد وتطبيق القرار 1701. كانت الرسالة واضحة: استمرار الحرب سيضع لبنان أمام فاتورة لا يستطيع تحمّلها.
لكن هذه التحذيرات قوبلت بثقة مفرطة. ساد الاعتقاد بأن إسرائيل لن تجرؤ على حرب شاملة، وأن الترسانة الصاروخية للحزب خلقت «توازن ردع» يمنعها من توسيع المواجهة.
كان ذلك، في جانب كبير منه، وهماً خطيراً. فقد جرى الخلط بين قدرة الحزب على إلحاق خسائر بإسرائيل وبين قدرته على منع إسرائيل من الحرب. كما جرى الخلط بين كلفة الحرب على إسرائيل وبين استحالة الحرب.
ثم جاءت الوقائع لتسقط هذه الحسابات.
في 2024 تحولت المواجهة إلى حرب واسعة: اغتيالات، قصف مكثف، تدمير واسع في الجنوب والبقاع والضاحية الجنوبية، سقوط أعداد كبيرة من القتلى والجرحى، ونزوح مئات الآلاف، إضافة إلى خسائر اقتصادية واجتماعية هائلة.
لم تمنع الترسانة الحرب. لم تمنع الاغتيالات..لم تمنع تدمير البلدات. لم تمنع النزوح والتهجير. ولم تحمِ لبنان من دفع الثمن.
ينبغي التمييز بين القدرة على القتال والقدرة على تحقيق النصر. قد يبقى تنظيم مسلح موجوداً بعد الحرب، وقد يلحق خسائر بالعدو، لكن بقاء التنظيم ليس بالضرورة انتصاراً للدولة التي دارت الحرب على أرضها.
السؤال الأكثر قسوة هو: ماذا حققت حرب «إسناد غزة» للبنان؟ وماذا حققت فعلياً لغزة قياساً إلى الثمن الذي دفعه لبنان؟ هل أوقفت الحرب على غزة؟ هل فرضت تسوية سياسية؟ هل منعت سقوط الضحايا؟ أم أنها أضافت إلى المأساة الفلسطينية مأساة لبنانية جديدة؟
يقول المدافعون عن الحزب إن الجبهة اللبنانية استنزفت إسرائيل وأجبرتها على نشر قوات وأظهرت قدرة المقاومة على القتال. يمكن مناقشة ذلك عسكرياً. لكن السؤال الذي لا يمكن الهروب منه هو: هل كانت النتيجة تستحق الثمن الذي دفعه لبنان؟ فإذا كان الهدف حماية لبنان، فإن لبنان لم يكن محمياً من الحرب. وإذا كان الهدف منع الحرب، فإن الحرب وقعت. وإذا كان الهدف حماية البيئة الحاضنة للمقاومة، فقد دفعت هذه البيئة نفسها ثمناً باهظاً. وإذا كان الهدف إسناد غزة، فإن الحرب في غزة لم تتوقف.
بعد كل ذلك، استمر جزء من «إعلام المقاومة» في الحديث عن الانتصار والصمود وإفشال أهداف العدو..لكن الشعوب لا تقيس الحروب بالشعارات. تقيسها بالبيوت المدمرة، والقتلى والجرحى، والنازحين، والمدارس والمستشفيات والمؤسسات المتضررة، والخسائر الاقتصادية، والسنوات اللازمة لإعادة الإعمار. المواطن الذي فقد منزله لا يحتاج إلى محلل ليخبره أن الخراب «انتصار استراتيجي». الخراب حقيقة لا تستطيع اللغة السياسية محوها.
يصبح السؤال أكثر وضوحاً: هل انتصر الحزب أم انتصرت إسرائيل؟ هذا سؤال عسكري وسياسي.
أما السؤال اللبناني فهو مختلف: هل انتصر لبنان؟
إذا خرج لبنان من الحرب أكثر فقراً، وأكثر ضعفاً، وأكثر انقساماً، وأكثر خوفاً من الحرب المقبلة، فمن الصعب وصف النتيجة بأنها انتصار لبناني.
بالنسبة للدول التي كانت حقل اختبار لخرافة “تصدير الثورة”، ماذا كانت النتيجة؟
بعد 47 عاماً، لم يتحول العالم الإسلامي إلى جمهوريات على النموذج الإيراني، ولم تختفِ إسرائيل، ولم ينتهِ النفوذ الأميركي، ولم تصبح الدول التي توسع فيها النفوذ الإيراني أكثر استقراراً وازدهاراً..نجحت إيران، بلا شك، في بناء نفوذ إقليمي واسع. لكنها لم تنجح في تحويل هذا النفوذ إلى نموذج حياة أفضل للشعوب التي قيل إنها المستهدفة بـ«تصدير الثورة».
وهنا تكمن المفارقة الكبرى. الثورة التي رفعت شعار نصرة «المستضعفين» انتهت إلى بناء منظومة إقليمية تعتمد بدرجة كبيرة على السلاح والميليشيات والنفوذ والصراع الدائم. أما المواطن الإيراني والعربي، فما زال يريد أشياء أكثر بساطة: الكهرباء، والماء، والعمل، والتعليم، والطبابة، والأمان، ودولة تحميه، وقراراً وطنياً لا يُتخذ بالنيابة عنه.
المشكلة ليست في أن تمتلك دولة جيشاً قوياً، ولا في أن تدافع عن مصالحها. المشكلة تبدأ عندما يتحول المشروع السياسي إلى عقيدة مغلقة لا تقبل المراجعة، وعندما يصبح كل فشل «انتصاراً استراتيجياً»، وكل خسارة «تراجعاً تكتيكياً»، وكل اعتراض خيانة، وكل سؤال عن الثمن مؤامرة.
لقد نجحت إيران في تصدير النفوذ. لكن النفوذ لم يكن ازدهاراً. ونجحت في تصدير السلاح. لكن السلاح لم يؤمن استقراراً. ونجحت في بناء ميليشيات حليفة. لكن الميليشيات ليست دولاً.
وبعد 47 عاماً، حانت ساعة الحقيقة وآن الأوان لصياغة السؤال الحقيقي:
هل نجحت إيران في تصدير الثورة؟ وماذا صدّرت فعلاً؟
إذا كان المقصود الحرية والرفاهية والأمن، فالحصيلة هزيلة ومأساوية. أما إذا كان المقصود النفوذ والسلاح وشبكات الولاء والصراعات الإقليمية، فالنجاح واضح. لكن ثمن هذا النجاح دفعته، ولا تزال تدفعه، شعوب كثيرة، من إيران إلى العراق وسوريا واليمن ولبنان.
ربما تكون الخلاصة الأكثر اختصاراً لكل هذه الحكاية:
القوة التي لا تنتج أمناً واستقراراً، والنفوذ الذي لا ينتج رخاءً وازدهاراً، والمقاومات التي لا تحمي الوطن، والانتصارات التي لا يراها المواطن في حياته اليومية… كلها تتحول في النهاية إلى شعارات وأوهام إن لم نقل أكاذيب.
بعد 47 عاماً من خرافة «تصدير الثورة»، يأتي السؤال الذي لم يعد يستطيع أي إعلام أو شعار أن يؤخر طرحه:
متى تنتهي الثورة… ويبدأ الاهتمام بالإنسان والأوطان؟
شكراً لقراءة المقال... ولا تنسى مشاركته.
إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير