عصر التفاهة : كيف أعادت المنصات الرقمية تشكيل معايير القيمة والتأثير؟
ندما تُقاس القيمة بدرجة الظهورالرقمي، يكتسب بعض الأفراد قدرةً على التأثير لا تستند بالضرورة إلى معرفة أو خبرة متخصصة.
خاص بوابة بيروت
لم تعد المنصات الرقمية مجرد فضاءٍ للتواصل وتبادل المعلومات، بل غدت بيئة فاعلة في إعادة تشكيل ما نراه جديراً بالإنتباه والتقدير، وما يستحق أن يُمنح قيمة ومكانة. فمع خضوع الظهور الرقمي لمنطق السرعة والإثارة وقابلية الانتشار، باتت الشهرة تتقدم أحياناً على القيمة، والحضور على الكفاءة، والإثارة على العمق، فتداخلت الحدود بين ما هو شائع وما هو جدير فعلاً بالإعتراف. في هذا السياق برزت “التفاهة الرقمية” بوصفها تحوّلاً في آليات إنتاج المكانة والتأثير، لا مجرد انتشارٍ متزايدٍ لمحتوى سطحي.
ويُقصد بمصطلح التفاهة الرقمية توصيف نمط من المحتوى يقوم على التبسيط المفرط والاستعراض والإثارة والتكرار، هذا النمط يستمد حضوره من قدرته على جذب الانتباه أكثر مما يستمده من عمقه أو قيمته المعرفية. وتكمن خطورة هذه الظاهرة في أنّ هذه الأنماط لا تظلّ هامشية، بل تتحول بفعل الانتشار الواسع والتفاعل الكثيف إلى نماذج مرجعية تُعيد تعريف ما يُعدّ مهماً، وما يستحق المتابعة والتأثير.
من هذا المنطلق، لم يعد التنافس بين المنصات الرقمية يدور فقط حول مضمون المحتوى المنشور بل تحوّل إلى جذب تركيز المستخدم وكمية الوقت الذي يبذله في تصفّحه، فبات يُفسَّر في ضوء ما يُعرف بـ “اقتصاد الانتباه”؛ وفي هذا السياق، تكتسب المضامين الأسرع جذباً والأكثر إثارةً وقابلية للمشاركة أفضلية واضحة، لأنها تحقق تفاعلاً فورياً يمكن قياسه بالمشاهدات والإعجابات والتعليقات. ومع تكرار هذا النمط، يصبح الانتباه نفسه شكلاً من أشكال القيمة، فتزداد فرص بروز المحتوى القادر على استثارة انتباه المستخدم سريعاً، حتى وإن كان محدود الأثر معرفياً.
ولا يتوقف أثر المنصات عند منح المضامين السطحية فرصة أكبر للتداول، بل يتعداه إلى تحويل التفاعل الرقمي نفسه إلى شكل من أشكال التعزيز الاجتماعي: فعدد الإعجابات والمشاهدات والتعليقات يمنح صاحب المحتوى مؤشرات فورية على القبول والانتشار. وحين يتكرر أمام المستخدمين أن المحتوى الأكثر إثارة أو استعراضاً هو الأكثر انتشاراً، يصبح هذا النموذج قابلاً للتقليد والمحاكاة، فتتحول المنصة تدريجياً إلى بيئة لا تكتفي بعرض أنماط معينة من المحتويات، بل تسهم أيضاً في إعادة إنتاجها وتكريسها لدى مجموعة واسعة من أفراد المجتمع.
ومع تواتر ذلك، لا يبقى التأثير محصورا في تقليد هذا النمط من السلوك الرقمي، بل يمتد إلى الطريقة التي يقيّم بها الأفراد أنفسهم ومكانتهم، فالفرد يميل إلى تقييم قدراته وقيمته بالرجوع إلى الآخرين، خاصةً حين تغيب المعايير الموضوعية الواضحة. وفي البيئة الرقمية، عندما تتحول أعداد المتابعين وحجم التفاعل والقدرة على الانتشار إلى مؤشرات بديلة للنجاح، تتراجع تدريجياً المعاييرالأكثرعمقاً كالكفاءة والمعرفة والإنجاز، ويُعاد تشكيل صورة النجاح وفق مؤشرات الحضور والتأثير. عندها يبدأ الفرد في إعادة صياغة صورته وسلوكه بما يكفل الحصول على القبول، مركزاً على إدارة الانطباع الذي يتركه لدى الآخرين، خاصّةً وأن البيئة الرقمية تُضفي إلى الإنطباع بُعداً جديداً يتمثل في قابليته للقياس الفوري عبر التفاعل والمتابعة. وهكذا تتحول الهوية الرقمية من مساحة للتعبيرعن الذات إلى مساحة لإعادة تشكيلها وفق ما تتطلبه معايير الإنتشار والتأثير.
ولا تقف آثار هذه التحولات عند حدود السلوك الفردي، بل تمتد إلى بناء تصوّرات اجتماعية جديدة لما يعنيه النجاح والمكانة. فالتصورات الاجتماعية التي تتشكّل من خلال التفاعل والتداول المستمر تصبح مرجعاً مشتركاً لفهم الواقع. من هنا، قد يؤدي التكرار الكثيف لبعض نماذج الشهرة في الفضاء الرقمي إلى ترسيخ اعتقاد ضمني بأن كثرة المتابعين تعني الأهمية، وبأن الانتشار دليل على القيمة، وبأن القدرة على جذب الانتباه تمنح صاحبها قوة التأثير. ومع الوقت، تتحول هذه المؤشرات إلى معايير اجتماعية يُقاس بها حضور الأفراد ويُعاد من خلالها ترتيب ما يستحق التقدير.
وعندما تُقاس القيمة بدرجة الظهورالرقمي، يكتسب بعض الأفراد قدرةً على التأثير لا تستند بالضرورة إلى معرفة أو خبرة متخصصة. وهنا تكمن المشكلة في احتمال مساواة الحضور الرقمي بالكفاءة، والتفاعل الشعبي بالمرجعية، وقوة الانتشار بعمق المضمون. ومع تكرار هذا الخلط، قد تتراجع المكانة الرمزية للمعرفة والخبرة لصالح ما هو أكثر قدرة على جذب الانتباه، فتتبدل تدريجياً المعايير التي يحتكم إليها المجتمع في تحديد من يستحق أن يُسمع، وما يستحق أن يُصدَّق، وما ينبغي أن يُمنح قيمة.
رغم ذلك، لا يمكن إرجاع مسؤولية هذا التحوّل إلى الأفراد وحدهم ، فالتفاهة الرقمية لم تُنتَج بفعل الاختيارات الشخصية فقط، بل تشكلت داخل منظومة تتداخل فيها الخوارزميات، ومنطق المنصات، واقتصاد الانتباه، وحاجة الأفراد إلى القبول والاعتراف. وبما أنّ الخوارزمية تميل إلى تعزيز ما يحقق تفاعلاً أكبر، ولأنّ المستخدم يتوق بدوره إلى ما يراه أكثر قدرة على منحه الحضور، نتيجة لذلك تنشأ حلقة متبادلة يغذي فيها كل طرف الطرف الآخر. ومن هنا تصبح الظاهرة نتاجاً لتفاعل بين البنية الرقمية والدوافع النفسية والاجتماعية للأفراد، لا مجرد تعبير عن تراجع في الذوق أو الوعي لديهم.
ومع ذلك، لا تكمن مواجهة التفاهة الرقمية في رفض المنصات أو الانسحاب منها، بل في استعادة القدرة على التمييز بين ما يجذب الانتباه وما يحمل القيمة، وبين من يملك الحضور ومن يملك المعرفة، وبالنتيجة بين الانتشار والأثر الحقيقي. فكلما أصبح المستخدم أكثر وعياً بالآليات التي توجّه اختياراته وتعيد تشكيل معاييره، ازدادت قدرته على مقاومة الخلط بين الشهرة والاستحقاق. ولعل التحدي الأبرز اليوم ليس في استهلاك ما تضعه المنصات أمامنا، بل في تنمية قدرتنا على أن نقرر بوعي ما يستحق أن نمنحه انتباهنا، وما يستحق أن يحتلّ مكانة في سلّم القيمة والتقدير.
فهل يتمثّل التحدي المقبل في تشكيل فضاءٍ رقمي قادر على إعادة الاعتبار للمعرفة والمعنى والقيمة؟
شكراً لقراءة المقال... ولا تنسى مشاركته.
إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير