مساءلة المساءلة: لماذا تتحوّل مساءلة الحكومة الى مشاجرة بين النواب؟

النظام البرلماني الديموقراطي هو نظام حكم تترابط فيه السلطة التشريعية والسلطة التنفيذية، وتكون الحكومة فيه مسؤولة مباشرة أمام البرلمان، وهي تحكم بإسم الأكثرية البرلمانية.

وتُترجم مسؤولية الحكومة امام البرلمان من خلال “المساءلة البرلمانية” وهي رقابة مجلس النواب (السلطة التشريعية) على أعمال الحكومة (السلطة التنفيذية) وسياساتها العامة، وقد يصل الامر بالمساءلة الى طرح الثقة بالحكومة.

الذي حدث في اليومين الأخيرين في المجلس النيابي هو تحوّل ما يُفترض انه مساءلة الحكومة(أسئلة واجوبة مدعّمة بالحجج) الى مشاجرة بين النواب، استدعت مزيجا من مشاعر الإحباط والقرف على المستوى الشعبي غير المتحمّس “عالعمياني” للزعماء. فلماذا حصل ذلك البارحة، ولماذا يحصل ذلك عند كل مساءلة برلمانية؟

إضافة للأسباب ذات الصلة بالخصال الميليشياوية والوقاحة وقلة الأخلاق التي يتصف بها الكثير من النواب، هناك أسباب لها علاقة باشتغال النظام السياسي القائم فعليا وليس حسب الدستور.

فمع ان النظام بحسب الدستور هو برلماني ديموقراطي، فإن الحكومة الحالية، كما الحكومات التي سبقتها، غير منبثقة من تطبيق النظام البرلماني الديموقراطي الذي تحكم فيه الأكثرية وتعارض فيه الاقلية كما تفترض المساءلة البرلمانية، بل ان التركيبة الحكومية هي أقرب الى المحاصصة بين الأحزاب المذهبية الرئيسية مع بعض المستقلين.

النواب المعارضون لسياسات الحكومة على المستوى الوطني(حصرية السلاح، المفاوضة مع اسرائيل، العلاقة بالولايات المتحدة الاميركية وبالبلدان العربية)، ممثلون داخل الحكومة(حزب الله) لكنهم لا يعترفون بقراراتها وينسحبون من المجلس النيابي عند التصويت على الثقة بها. فصام سياسي او نفاق، لا فرق.

اما النواب المعارضون لسياسات الحكومة على المستوى الاداري- الاقتصادي- الاجتماعي، فمعارضتهم خفرة وحذرة(بعض نواب التغيير) حرصاً على الحكومة وسياساتها الوطنية، او ان معارضتهم لا تأثير لها ولا مصداقية، نظرا لممارساتهم السابقة(التيار الوطني الحر) ولحرصهم على اقتطاع جزء من مردود السياسات أكثر من رغبتهم في تطويرها نحو الأحسن. اما المعارضون الفعليون لهذه السياسات (بعض النقابات، جمعيات مدنية، تجمعات ذات طابع سياسي) فهي غير ممثلة في المجلس النيابي، وطريقها الى مساءلة الحكومة هو مفاوضتها او الضغط عليها في الشارع أو عبر الإضراب. ويلاحظ للأسف غياب التنسيق بين الجهد النيابي ولو المتواضع، وجهود المجتمع المدني، في مجال تطوير السياسات الحكومية.

تكتمل آلية تعطّل المساءلة عندما يكون احتمال وصولها الى طرح الثقة بالحكومة غير مرتبط بالإرادة النيابية بل بإرادة القوى الخارجية التي تشرف على سياساتها العامة، الوطنية والمالية والاقتصادية. وهذا ما يعرفه جيدا اللاعبون المحليون، الذين يدعون للمساءلة والذين يشاركون فيها، والذين لا يجدون متنفساً لعجزهم وتبعيتهم واحقادهم المتبادلة، سوى الشجار بحجة المساءلة.

شكراً لقراءة المقال... ولا تنسى مشاركته.

إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير

اخترنا لك