من الجغرافيا… ينبثق تاريخ الأمم!
إنّنا في وطن الخيرات والنِّعم، التي تشكّل حافزًا يزيدنا قناعة بلبنان، فنحرصَ على مآثر ماضيه، ونأملَ بمستقبلٍ مطمئِنٍ لأبنائه.
خاص بوابة بيروت
مقولةٌ أثبَتَتها الأيّام… بحقائق راسخة. من مِصر الى اليونان، الى أيِّ موقع سكنَه الأنسان وتفاعل معه، استثمارًا ناجحًا أو استهتارًا أودى بالكيان.
ومن فضائل الجغرافيا أنّها تلتصق بشقيقاتها وبنات عمّها من ميادين العلوم الرياضيّة والإنسانيّة والأدبيّة وغيرها. فتأخذ منها، وتعطيها. وتتآلفُ مع نظريّاتِها وتختزنُ معارفَها. تعمِّق الدراسات البحثيّة، وتتأنى في تَمَحُّص التفاصيل، لتنطلقَ من خلالها باستنتاجاتٍ أكثر حداثة، وأكثر إفادة للإنسانيّة.
وللجغرافيا أيضًا أوجهٌ وأبعادٌ كثيرة. فمن الجغرافيا الطبيعيّة، الى الجغرافيا الاقتصاديّة والاجتماعيّة، والديموغرافيّة والسياسيّة، … وعشرات عشرات، حبّذا لو عرفنا كيف نوظّفها، ونُنبِت منها المشاريعَ الكفيلة بتأمين عيشٍ كريم.
وبعد…، هل تمتلك الجغرافيا اللبنانيّة مقوّماتٍ واعدةً ومغرية، نستطيع من خلالها استقطاب رؤوس الأموال، وكفاءات الاختصاص، ممّا يوفّر لأهل الأرض بقاءً وديمومةً واستقرارًا؟
الإجابة البديهيّة نَعَم وألف نَعَم، إذ إنّنا في وطن الخيرات والنِّعم، التي تشكّل حافزًا يزيدنا قناعة بلبنان، فنحرصَ على مآثر ماضيه، ونأملَ بمستقبلٍ مطمئِنٍ لأبنائه.
لنبدأ بالجغرافيا الطبيعيّة، حيث الموقع، والتضاريس، والمناخ، والثروة المائيّة، والتربة، وغيرها… تشكّل مجتمعةً مجالًا حيويًّا لفرضيّات علميّة تُثقل الواقع بالوعود. جغرافيا متنوّعة، متكاملة، غنيّة ومستدامة… لكنّ كلمةَ السّر ومفتاحَ الحلّ، لن يأتيا من غيبٍ أو من صدفة. فهذه الخصائص هي بمثابة منصّة (Plateforme) يُبنى عليها، لتحديد المدى الملائم للاستثمار، بمكانه وزمانه وإنتاجيّته، وأساس الأساس في النجاح يكمن في العزيمة القادرة على تخطّي الصِّعاب، وعلى برمجة الأعمال وتخطيطها بما يليق بعصر رقميّ، وتقنيّاتٍ جلُّها من عمل الذكاء الاصطناعي.
في موضوع الزراعة
تشكّل الزراعة المجال الأول للاستثمار في الجغرافيا الطبيعيّة، وقد شهد لبنان، كما سائر شرقي المتوسط مساحات خصبٍ ووفرٍ، طالما جذبت الشعوب المجاورة. قد تكون المقارنة مع امتداد السهول وضخامة المنسوب المائي في الدول المحيطة بنا مخيّبة لصغار النفوس، لكنّ المناطق الصالحة للزراعة في لبنان والتي تقدّر بـ 28% من المساحة الإجمالية، والينابيع والمجاري المتدفّقة حتى في عزّ الصيف، هي أكثر من كافية، ومن غير المسموح أن تؤول الى البوار والهدر.
في عودة مختصرة الى خمسينات القرن الماضي، حيث كان القطاعان الانتاجيّان (الزراعة 12% والصناعة 13%) ركيزتين عريضتين للاقتصاد الوطني، نجد أنّ النهضة السريعة التي عرفها لبنان آنذاك، لم تكن إلّا نتيجة حتميّة لحجم الناتج عنهما، ممّا سمح بالتوازن مع القطاعات الخدماتيّة واستقرار الحال. لكنّ التحوّل الدراماتيكي بعد ذلك، نحو القطاع الخدماتي، المتسلّح بسريّةٍ مصرفيّةٍ وفورةٍ خليجيّةٍ، أودى بسويسرا الشرق الى الخراب، وأسقط القرش الهيّن والضعيف أمام الهبّات الأمنيّة والسياسيّة المتتالية. فكان الهبوط الأوّل لليرة اللبنانيّة في الثمانينات، تلته انتكاسات عديدة، ما زلنا نشهدها حتى اليوم.
حاليًّا، أين أصبح القطاع الزراعي؟ ما هي مشاكله؟ ولماذا تراجع حجم ناتجِه الى حدود 4% من الناتج العام؟ كلّنا يعلم مدى ارتباط الزراعة بالمقوّمات الطبيعيّة، وكلّنا يعلم أنّ فلّاحنا المكفي كان سلطانًا مخفيًّا. ولكنْ، ما لا نعلمه – ربّما كلّنا – أنّ واقع القطاع وأساليبه وتقنيّاته وأسواقه، قد تبدّلت رأسًا على عقب، وشهد العالم تجارب جريئة في تطوير القطاع وزيادة الانتاجيّة كمًّا ونوعًا. وهذا ما يطرح عدّة نقاط للبحث، أهمّها :
- هل من رؤية استراتيجيّة مدروسة للقطاع، تتعامل مع الواقع بمنطق مختلف وعصري، وبنظرة تركّز على الانتاج النوعي، الذي يبقى الخيار الوحيد للبنان.
- هل من إمكانيّة لمنافسة المزارع اللبناني، للمنتِجين الموجودين في دول الجوار؟ وكيف؟
- هل الرقابة الشاملة والمعرفة الشاملة متوفّرتان لهذا القطاع، بدءًا من الأدوية والأسمدة
- والمبيدات الزراعيّة، والمياه المستعملة للرّي، وصولًا للمواصفات المطلوبة عالميًّا، لأيّ منتج غذائي؟
- هل البنى التحتيّة من طرق ومصادر طاقة وشبكات للرّي، وصلت الى المستوى المطلوب؟
الواقع يعطي صورة سلبيّة حتى الآن، بالرغم من وجود مشاريع ناجحة، اثبتت بقدراتها (الذاتيّة) تفوّقًا باهرًا في الأسواق العالميّة، وما زال لبنان في قلب مشكلة متشعّبة ومتجذّرة، يصعب على المزارع – وهو الحلقة الأضعف في هذه السلسلة – أن يبادر، ويخطّط ويتخطّى.
في الاسبوع المقبل، سوف أتطرّق لاقتراحٍ عمليّ لمعالجة مسألة مرج بسري، بعد أن أصبحت الدولة اللبنانيّة المالك الوحيد له، وتعثّر تنفيذ المراحل المتبقّية من مشروع سد بسري.
شكراً لقراءة المقال... ولا تنسى مشاركته.
إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير