لبنان أمام فرصة للسلام فهل يلتقطها؟

دفع لبنان ثمناً هائلاً خلال العقود الماضية، دفعه من اقتصاده، ومن شبابه، ومن بنيته التحتية، ومن هجرة أبنائه، ومن فرص كان يمكن أن تغيّر وجهه. واليوم، إذا كانت هناك نافذة حقيقية نحو الاستقرار، فإن أخطر خطأ يمكن أن يرتكبه اللبنانيون هو أن يتعاملوا معها وكأنها ستبقى مفتوحة إلى الأبد. السلام لا يعني أن لبنان خسر. ربما العكس تماماً...

خاص بوابة بيروت

لن أكتب اليوم عن من ربح ومن خسر، ولا عن أي محور انتصر وأي محور هُزم. أريد أن أتحدث عن شيء أهم بكثير، ماذا لو كان لبنان أمام فرصة حقيقية للخروج من عقود الصراع وعدم الاستقرار، ولم يعرف اللبنانيون كيف يلتقطونها؟ لبنان ليس بلداً عادياً في حسابات المنطقة.

موقعه على المتوسط، قربه من سوريا وإسرائيل، انفتاحه على أوروبا، طاقاته البشرية، ودوره التاريخي في التجارة والسياحة والخدمات والثقافة، كلها عوامل تجعل استقراره مسألة تتجاوز حدوده.

لكن المشكلة أن لبنان عاش لعقود وكأنه لا يريد أن يستفيد من هذه المزايا. كلما اقترب من فرصة، عاد إلى الأزمة.

كلما بدأ الاقتصاد بالتنفس، عادت السياسة والأمن ليخنقاه. وكلما فكر العالم في الاستثمار فيه، كان السؤال نفسه يعود، هل لبنان آمن؟ وهنا تحديداً تكمن أهمية اللحظة التي نعيشها اليوم.

العالم تغيّر كثيراً حول لبنان، المنطقة كلها تدخل مرحلة جديدة، والولايات المتحدة تعيد ترتيب أولوياتها، وأوروبا تبحث عن أدوار ومصالح جديدة في شرق المتوسط، وإسرائيل تريد حدوداً أكثر أمناً، بينما يحتاج لبنان قبل أي شيء إلى أن يستعيد استقراره وقدرته على بناء اقتصاده. هذه ليست نظرية سياسية. هناك وقائع على الأرض.

الأمم المتحدة أكدت أن تفاهم وقف الأعمال العدائية الذي دخل حيز التنفيذ في تشرين الثاني 2024 شكّل خطوة مهمة نحو تطبيق القرار 1701، مع استمرار العمل للوصول إلى حل طويل الأمد واستعادة الاستقرار على الحدود. وفي الوقت نفسه، يؤكد قرار مجلس الأمن 2790 ضرورة بسط سلطة الدولة اللبنانية على كامل أراضيها، بحيث لا تكون هناك أسلحة أو سلطة خارج مؤسسات الدولة. وهذا يعني ببساطة أن الاتجاه الدولي المعلن هو نحو الاستقرار، وتثبيت الحدود، وتقوية الدولة اللبنانية.

لكن الاستقرار وحده لا يكفي. لبنان يحتاج إلى أن يفهم أن السلام ليس فقط غياب الحرب. السلام يعني اقتصاداً يستطيع أن يعمل و مستثمراً يستطيع أن يضع أمواله من دون أن يسأل كل صباح عن الوضع الأمني. يعني سائحاً يحجز تذكرته من دون أن يتردد.

و شركة دولية تفكر في بيروت كمركز أعمال، لا كسوق عالية المخاطر. ويعني لبنانياً يعيش في الخارج أن يبدأ بالتفكير في العودة والاستثمار، لا فقط في إرسال المال إلى عائلته.

وهنا نصل إلى ملف الطاقة. لا أحد يستطيع اليوم أن يقول إن لبنان أصبح دولة نفط وغاز. هذا غير صحيح. لكن في المقابل، لا يمكن تجاهل أن لبنان عاد إلى خريطة الاستكشاف الدولية. في عام 2025 مُنح البلوك البحري رقم 8 لتحالف يضم TotalEnergies وEni وQatarEnergy، مع خطط لإجراء مسوحات زلزالية ثلاثية الأبعاد لتحديد الإمكانات الهيدروكربونية في المنطقة. وهذا يأتي بعد نتائج غير تجارية من عمليات استكشاف سابقة. أي أن الثروة المحتملة موجودة، لكن إثباتها واستثمارها يحتاجان إلى وقت واستقرار وبيئة سياسية واقتصادية سليمة. وهذه نقطة يجب أن يفهمها اللبنانيون جيداً.

حتى لو اكتشفنا غداً كميات كبيرة من الغاز، لا يمكن تحويلها إلى ثروة وطنية في بلد يعيش في حالة حرب أو عدم استقرار دائم.

الثروة تحتاج إلى دولة. والاستثمار يحتاج إلى دولة. والغاز يحتاج إلى دولة. والسياحة تحتاج إلى دولة. والسلام نفسه يحتاج إلى دولة.

ولعل أحد أكثر المؤشرات إثارة للاهتمام هو المشروع الأميركي الجديد في بيروت.

الولايات المتحدة بنت مجمعاً جديداً لسفارتها في عوكر على مساحة تقارب 43 فداناً، والمشروع تبلغ ميزانيته الموثقة نحو 1.025 مليار دولار، وهو من بين مشاريع السفارات الأميركية الأعلى كلفة.

هل يعني ذلك أن واشنطن تعرف مسبقاً أن لبنان مقبل على عقود من الاستقرار والازدهار؟

لا أعتقد أن أحداً يستطيع أن يقول ذلك بهذه البساطة.

السفارات تُبنى لأسباب دبلوماسية وأمنية واستراتيجية طويلة الأمد، وليس بناء على توقعات اقتصادية.

لكن هل يدل هذا المشروع على أن الولايات المتحدة ترى للبنان أهمية استراتيجية طويلة المدى؟

بالتأكيد، وهذا أمر يستحق التوقف عنده. وإذا جمعنا ذلك مع عودة الاستكشاف النفطي والغازي، وموقع لبنان الجغرافي، وحاجة المنطقة إلى إعادة ترتيب علاقاتها الاقتصادية، وحاجة لبنان نفسه إلى عشرات مليارات الدولارات لإعادة الإعمار والتعافي، يصبح السؤال مشروعاً. هل نحن أمام فرصة لبنانية حقيقية؟

البنك الدولي قدّر كلفة الأضرار والخسائر الاقتصادية الناتجة عن النزاع الأخير بنحو 14 مليار دولار، وقدّر احتياجات إعادة الإعمار والتعافي بنحو 11 مليار دولار. كما شدد على أن الاستقرار السياسي والإصلاحات ضروريان لفتح الباب أمام التمويل والاستثمار والتعافي طويل الأمد. وهنا أعتقد أن على اللبنانيين أن يتوقفوا قليلاً.

ليس المطلوب أن نتفق على كل شيء. وليس المطلوب أن ننسى الماضي. وليس المطلوب أن نتخلى عن حقوق لبنان.

لكن المطلوب أن نسأل أنفسنا سؤالاً بسيطاً، ماذا نريد للبنان في السنوات الثلاثين المقبلة؟ هل نريد بلداً يعيش دائماً على حافة الحرب؟

أم نريد بلداً تصبح فيه المنافسة على الاستثمار والسياحة والجامعات والتكنولوجيا والطاقة والبنية التحتية أهم من المنافسة على النفوذ والسلاح؟ هذه ليست دعوة إلى الاستسلام، وليست دعوة إلى التنازل. إنها دعوة إلى التفكير بالمستقبل.

لأن لبنان دفع ثمناً هائلاً خلال العقود الماضية، دفعه من اقتصاده، ومن شبابه، ومن بنيته التحتية، ومن هجرة أبنائه، ومن فرص كان يمكن أن تغيّر وجهه. واليوم، إذا كانت هناك نافذة حقيقية نحو الاستقرار، فإن أخطر خطأ يمكن أن يرتكبه اللبنانيون هو أن يتعاملوا معها وكأنها ستبقى مفتوحة إلى الأبد. السلام لا يعني أن لبنان خسر. ربما العكس تماماً.

إذا أدى السلام إلى دولة أقوى، واقتصاد أقوى، واستثمارات أكبر، وحدود أكثر استقراراً، وعودة السياحة، واستعادة الثقة، وفتح الباب أمام استثمار حقيقي في الطاقة والبنية التحتية، فقد يكون السلام هو أكبر مشروع اقتصادي وسيادي يستطيع لبنان أن يبدأه.

المنطقة تتغير. والاقتصاد العالمي يتغير. والتحالفات تتغير. والطاقة أصبحت جزءاً من السياسة، والسياسة أصبحت مرتبطة بالاقتصاد أكثر من أي وقت مضى. أما لبنان، فلا يزال يملك الموقع، والعقول، والانتشار اللبناني في العالم، والقدرة على النهوض.

ما ينقصه هو أن يعطي نفسه فرصة. فرصة للسلام، فرصة للدولة وفرصة للاقتصاد.

والسؤال اليوم ليس فقط، ماذا يريد العالم من لبنان؟

السؤال الأهم هو. هل يعرف اللبنانيون ماذا يريدون من الفرصة التي قد تكون أمامهم؟

شكراً لقراءة المقال... ولا تنسى مشاركته.

إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير

اخترنا لك