الطاقة الكهرومائيّة في لبنان… انتاجيّة محدودة وهدر للمياه

يحتاج لبنان حاليًّا، الى ما بين 3200 و3600 ميغاواط، بالحدّ الأدنى. أي أنّ ما توفّره ملايين الأمتار من المياه العذبة لا يؤمّن أكثر من 6% من الانتاج العام. السؤال : هل ما زالت استراتيجيّة الطاقة الكهرومائيّة مناسِبة للبنان؟ هل إنّ فائض المياه يسمح لنا بذلك؟ وأخيرًا، ما هي البدائل الناجعة؟

خاص بوابة بيروت

بين تأسيس معمل قاديشا لتوليد الكهرباء سنة 1911 واليوم، انقضت مائة وخمس عشرة سنة، تغيّر فيها الكثير من الجغرافيا والديموغرافيا وأنماط الحياة، كما تنوّعت مصادر إنتاج الطاقة بين مائيّة وحراريّة وأخيرًا شمسيّة.

بلغ العدد الإجمالي للمعامل الكهرومائيّة ستة عشر، توزّعت على مجاري الأنهُر قاديشا، ابراهيم، الصّفا، الأولي واللّيطاني، بقدرة إنتاجية مجهّزة حتى 285 ميغاواط. لكن، مع مرور الوقت وضعف الصّيانة وتواتر التدفّقات المائيّة بين سنة شحيحة وسنة غزيرة، وغيرها من الأسباب، تقلّصت هذه القدرة الى حدود 190 ميغاواط فقط. كما تسبّبت مياه الصرف الصّحّي والنفايات الصناعيّة والزراعيّة التي تصبّ، تحديدًا، في مجاري اللّيطاني، في سرعة تآكل التوربينات والمعدّات المعدنيّة، التي تعاني أصلًا من اهتراء كبير وتراجع في قدرتها الإنتاجيّة.

بالمقابل، يحتاج لبنان حاليًّا، الى ما بين 3200 و3600 ميغاواط، بالحدّ الأدنى. أي أنّ ما توفّره ملايين الأمتار من المياه العذبة لا يؤمّن أكثر من 6% من الانتاج العام. السؤال : هل ما زالت استراتيجيّة الطاقة الكهرومائيّة مناسِبة للبنان؟ هل إنّ فائض المياه يسمح لنا بذلك؟ وأخيرًا، ما هي البدائل الناجعة؟

الطاقة النظيفة مطلب الجميع…

حاليًّا، لدينا ثلاثة مصادر للطاقة النظيفة، من الممكن اعتمادها في لبنان، هي : المياه والشمس والرياح.

– بالنسبة للمياه : لقد استنفدنا الحدّ الأقصى من خلال تنويع المصادر، وصيانة المعدّات لرفع الانتاجيّة… إلّا أن الحد الأقصى المتوفّر لم يعد مشجِّعًا. وقد طرح بعض الخبراء جملة من الحلول، كإطلاق ورشة عمل وطنيّة، مدعومة من جهات مانحة، لتأهيل التوربينات وزيادة انتاجيّتها، أو تنظيف المجاري النهريّة وتخفيف التلّوث، أو التكامل مع الطاقات المتجدّدة الأخرى، وهنا بيت القصيد… لنقلة نوعيّة، تزيد الإمكانيّات دون التسبّب بآثار جانبيّة سلبيّة.

– بالنسبة للطاقة الشمسيّة : عرف لبنان جملة من المبادرات منذ أيار 2022، بعدما وافقت الحكومة على منح تراخيص لإنشاء 11 محطة لإنتاج الكهرباء من الطاقة الشمسيّة، بقدرة 15 ميغاواط لكل مشروع. تبلغ القدرة الإجماليّة المخطّطة للمشروعات 165 ميغاواط، موزّعة على مناطق مختلفة من لبنان، في إطار خطّة تستهدف تعزيز إسهام الطاقة المتجدّدة في ورشة الكهرباء الوطنيّة.

بالرغم من الفوضى، التي عمّت “سطوح الأبنية” في تركيب الألواح الشمسيّة لعدد محدود من ساكني كل مبنى، فقد انتشرت في أكثر من بقعة من الأراضي اللبنانيّة، المزارع الشمسيّة، التي ساهمت في حلّ جزء مهمّ من المشكلة، لبعض المجمّعات السكنيّة أو بعض البلدات. وقد بلغ الانتاج العام للطاقة الشمسيّة في 2026، 1500 ميغاواط، أي ما يعادل ثلث الحاجة المعلنة، وهذا أمر جيّد، ومشجِّع ويجب المضي به الى أقصى حدود.

لكنّ الدعسة الناقصة كانت بتأخّر صدور القوانين التي تشرعِن هذا القطاع من جهة، وعدم اعتماد العدّاد الذّكي من جهة ثانية. إذْ تكمن أهميّة العداد الذّكي بأنّه يعطي الشبكة العامّة من إنتاجه، كلما زاد ذلك عن المصروف المطلوب منه. وهكذا، يتوفّر للدولة القسم الأكبر من انتاج ساعات النهار حيث الحاجة في أدناها، أو من انتاج أيّام الصيف حيث الانتاجيّة في ذروتها. وإذا ما احتُسب هذا الفائض لصالح المنتِج، فقد يعوِّض له قسمًا من كلفة المشروع، وبالتالي يخفّض قيمة فاتورته، وهنا الإغراء المفيد في زيادة الانتاجيّة.

– أمّا طاقة الرياح : فهي ما زالت في غرفة الانتظار… والسؤال البديهي الذي يطرح نفسه هو : لماذا تأخّر التوجّه نحو طاقة الرياح في لبنان؟

قد يكون الجواب البديهي، أن كلفة المحطة (المروحة) تتخطّى إمكانيّة المواطن الذي يبحث عن مصدر للطاقة يكفي حاجاته المنزليّة، كما أنّ استعمالها بين المنازل قد يسبّب إزعاجًا للجوار.

طاقة الرياح : الحل الأمثل

في مجال الطاقة المتجدّدة، تبرز أهميّة طاقة الرياح من خلال إنشاء مزارع توربينات ضخمة، كما هو معتمد في أوروبا وسائر العالم. مزارع، تعلوها أبراج تصل حتى 150 مترًا برًّا، و245 مترًا بحرًا، وتنتج ما بين 3.4 و 4.2 ميغاواط للمنشآت البريّة، وما بين 10 و15 ميغاواط للمنشآت البحريّة. وهنا تجدر الإشارة الى ثلاث رخص أُعطيت لشركات في محافظة الشمال لانتاج طاقة الرياح، دون الوصول الى النتيجة العمليّة… إنّه مسعىً مشكور نتمنّى أن يتحقّق قريبًا.

لذلك، مطلوب من الدولة أن تضع القوانين والمراسيم التنفيذيّة سريعًا، قبل أن تدبّ الفوضى في هذا القطاع، على غرار الطاقة الشمسيّة، وأن تحدّد الوزارات المعنيّة (الطاقة والمياه، البيئة، الزراعة، الاقتصاد،…) مواقع المزارع، حجمها، إدارتها… ومن المفيد أيضًا، أن تقوم الدولة بفِرَقها المختصّة، بالتخطيط لإنشاء مزارع توربينات في المياه الإقليميّة اللبنانيّة، حيث الريّاح تتميّز بقوّة كافية واتجاهات شبه ثابتة طوال السنة. كما أنّها، ببُعدها عن التجمّعات السكنيّة، توفّر الضوضاء عن اليابسة وتترك المساحات البريّة لاستثمارات أخرى.

خلاصة هذه الفقرة أن 100 توربينٍ في البَرّ، أو خمسة عشر في البحر باستطاعتها أن تغطّي ما تنتجه معامل الطاقة الكهرومائيّة في لبنان مجتمعة، وربّما أكثر. وبذلك، تبقى ملايين الأمتار المكعّبة من مياه لبنان العذبة بعيدة عن تلوّث الشحوم والزيوت والمكوّنات البتروكيماويّة، ونحن بأمسّ الحاجة إليها. فالكميّة التي يتمّ تحويلها الى المعامل الكهرمائيّة، تقارب 1.4 مليون م³ / اليوم في الفترة المطيرة، تنخفض الى النصف في الفترة الجافّة، أي ما يعادل 430 مليون م³ سنويًّا، بينما تشكو المدن الكبرى، وبالأخصّ بيروت وضواحيها، من قلّة الموارد المائيّة في الشتاء كما في الصيف. وقد طرح الوزير الصدّي إمكانيّة الاستفادة من مياه بحيرة الأولي (معمل بول أرقش)، من خلال التمويل المعلّق لمشروع سد بسري والبالغ 254.7 مليون دولار، لتغليف الأنفاق وزيادة الخزّانات وتوسيع محطّة الوردانيّة لتكرير كميّات أكبر، بهدف ضخّها الى بيروت.

المناطق الأكثر ملاءمة لإنشاء مزارع التوربينات

1- ساحل لبنان الشمالي، المنية وعكار وقبالة الجزر الطرابلسيّة، حيث لا يتجاوز العمق 40 – 50م، وقد أظهرت دراسات تقييم طاقة الرياح البحريّة في لبنان، كثافة طاقة الرياح هناك في فصل الشتاء بمعدّل 400 واط/متر مربع، وهو الحدّ العلمي المطلوب للجدوى الاستثماريّة.

2- ساحل لبنان الجنوبي، قبالة مدينة صور في الجنوب (مواصفات أيضًا ملائمة).

3- مجموعة من المناطق البريّة التي تتمتّع بحركة رياح ناشطة معظم أيّام السنة. على سبيل المثال، منطقة عكار المفتوحة على سهل حمص، سلسلة القمم الجبليّة الغربيّة كما الشرقيّة، السهول البقاعيّة من الشمال الى الوسط، وصولًا الى سهل مرجعيون…

الخلاصة

لم نتطرّق في هذا المقال، الى الطاقة الحراريّة، للتركيز على دور الطاقة النظيفة، ولجعل المشاريع أقلّ ضررًا على البيئة اللبنانيّة. إذن :

– الطاقة المائيّة، بمحدوديّتها الانتاجيّة، باتت من الماضي،

– الطاقة الشمسيّة مقبولة وواعدة، ولكن ينقصها التنظيم، وحسن الإدارة،

– أمّا طاقة الرياح، التي أثبتت قدرتها في العديد من دول العالم، فسوف تكون الذّهب الاحتياطي الذي ينتِج ويدعم الاقتصاد اللبناني، ولا حاجة الى تسييله…

شكراً لقراءة المقال... ولا تنسى مشاركته.

إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير

اخترنا لك