لا بديل عن السلام
إن إعادة وضع طرابلس على خريطة الطاقة الإقليمية قد تحمل أهمية تتجاوز العائد المالي المباشر. فالمدينة تملك منشآت نفطية تاريخية وموقعًا جغرافيًا على المتوسط، وقد طُرحت بالفعل إمكانية إنشاء فرع من منظومة "كركوك - بانياس" باتجاه طرابلس، إلى جانب بحث استخدام منشآت التخزين اللبنانية وربما إنشاء مصفاة مستقبلية...
خاص بوابة بيروت
تكشف الأزمات الكبرى في الشرق الأوسط حقيقة لطالما تجاهلتها المنطقة: أمن الطاقة وطرق التجارة لا يمكن فصلهما عن الاستقرار السياسي والأمني.
فكلما تعرض ممر استراتيجي للخطر، تبدأ الدول بالبحث عن طرق بديلة. وهذا ما ظهر بوضوح خلال أزمة مضيق هرمز عام 2026، عندما اضطرت دول منتجة للنفط إلى إعادة توجيه جزء من صادراتها عبر خطوط أنابيب وموانئ ومسارات بحرية بديلة.
السعودية، على سبيل المثال، استخدمت خط أنابيب الشرق–الغرب لنقل النفط إلى ساحل البحر الأحمر، بينما استفادت الإمارات من بنيتها التحتية على ساحل خليج عُمان. لكن التجربة أظهرت في الوقت نفسه أن البدائل ليست محصنة بالكامل؛ فالهجمات على البنية التحتية وارتفاع تكاليف التأمين أعادا التأكيد على أن أمن الطاقة يحتاج إلى أكثر من مجرد أنبوب بديل.
العراق يبحث عن منافذ أخرى
العراق كان من أكثر الدول تأثرًا باضطراب حركة النفط عبر الخليج. ولذلك عاد البحث عن طرق تصدير بديلة إلى الواجهة.
وفي تموز 2026، بحث لبنان والعراق رسميًا في إمكانية استخدام الأراضي اللبنانية بوابة إضافية للنفط العراقي نحو البحر المتوسط، مع الاتفاق على تشكيل فريق فني مشترك لدراسة الخيارات المتاحة.
والأهم أن المشروع ليس فكرة جديدة بالكامل.
فخط كركوك–بانياس كان تاريخيًا أحد مسارات تصدير النفط العراقي إلى البحر المتوسط، وكانت له وصلة باتجاه منشآت النفط في طرابلس اللبنانية. وتشير المديرية العامة للنفط في لبنان إلى أن منشآت طرابلس أنشئت أصلًا لاستقبال النفط العراقي القادم من كركوك عبر سورية، وأن الطاقة القصوى التاريخية لخطوط الاستقبال في المنشأة بلغت نحو 900 ألف برميل يوميًا.
توقفت هذه المنظومة نتيجة الحروب والتحولات السياسية الإقليمية، وأصبحت منشآت طرابلس اليوم جزءًا من البنية النفطية اللبنانية، وإن كانت وظائفها مختلفة جذريًا عن الدور الذي أدته في القرن الماضي.
السؤال اليوم ليس فقط: هل يمكن إعادة تشغيل الخط؟
بل: هل تستطيع المنطقة إعادة بناء شبكة اقتصادية تجعل من لبنان والعراق وسورية والأردن ومصر ودول الخليج أجزاء مترابطة من منظومة إقليمية أكثر قدرة على الصمود؟
طرابلس أمام فرصة تاريخية
بالنسبة إلى لبنان، فإن إعادة وضع طرابلس على خريطة الطاقة الإقليمية قد تحمل أهمية تتجاوز العائد المالي المباشر.
فالمدينة تملك منشآت نفطية تاريخية وموقعًا جغرافيًا على المتوسط، وقد طُرحت بالفعل إمكانية إنشاء فرع من منظومة كركوك–بانياس باتجاه طرابلس، إلى جانب بحث استخدام منشآت التخزين اللبنانية وربما إنشاء مصفاة مستقبلية.
لكن المسؤولية اللبنانية تقتضي عدم تحويل أي مشروع من هذا النوع إلى شعار سياسي قبل إنجاز الدراسات الفنية والقانونية والاقتصادية، وتحديد آليات التمويل والحوكمة والشفافية، وضمان ألا يصبح لبنان مجرد ممر للنفط من دون أن يحصل اقتصاده على قيمة مضافة حقيقية.
فالمشروع الناجح يجب أن يعني وظائف، استثمارات، بنية تحتية، إيرادات للدولة، وأمنًا للطاقة، لا مجرد رسوم عبور.
سورية بين الماضي والجغرافيا الجديدة
تبقى سورية الحلقة الأكثر حساسية في أي مشروع بري يصل العراق بالمتوسط عبر لبنان.
فالجغرافيا تجعل الأراضي السورية ممرًا طبيعيًا، لكن التاريخ السياسي للعلاقة بين دمشق وبغداد وبيروت يجعل بناء الثقة شرطًا أساسيًا.
واللافت أن التطورات الحالية بدأت تفرض نوعًا جديدًا من التعاون الاقتصادي. ففي سبتمبر/أيلول 2026، بدأت سورية تستقبل شحنات وقود عراقية عبر ميناء بانياس، في محاولة من بغداد لتجاوز اضطرابات مضيق هرمز، فيما تبحث دمشق تطوير دورها كممر للطاقة والتجارة.
هذه التطورات لا تعني أن جميع الملفات السياسية قد حُسمت، لكنها تؤكد حقيقة أساسية:
عندما تصبح المصالح الاقتصادية مشتركة، تتحول الجغرافيا من مصدر للتوتر إلى فرصة للتعاون.
وهنا يمكن أن يكون لبنان جزءًا من المعادلة بدل أن يبقى خارجها.
من الطاقة إلى السلام
لكن أي شبكة إقليمية طويلة الأمد ستبقى معرضة للخطر ما لم تترافق مع معالجة أصل المشكلة: غياب نظام إقليمي مستقر للعلاقات السياسية والأمنية.
وهنا يصبح الحديث عن السلام مع إسرائيل جزءًا من نقاش أوسع، وليس ملفًا منفصلًا عن الاقتصاد.
فمنذ توقيع اتفاقات أبراهام عام 2020، تطورت العلاقات بين إسرائيل وعدد من الدول العربية في مجالات التجارة والاستثمار والسفر والتكنولوجيا وغيرها. وتشير بيانات وتحليلات اقتصادية حديثة إلى أن هذه العلاقات أنتجت بالفعل مصالح اقتصادية ملموسة، رغم استمرار الحروب والتوترات الإقليمية.
لكن التجربة نفسها تكشف حدود المقاربة الاقتصادية وحدها.
فالخلاف الفلسطيني–الإسرائيلي ما زال عنصرًا مركزيًا في البيئة السياسية العربية، كما أن الحرب والتوترات المستمرة تجعل أي تصور لسلام إقليمي شامل بحاجة إلى معالجة قضايا الأمن والحدود والحقوق الفلسطينية، وليس الاكتفاء باتفاقات ثنائية.
لهذا، فإن السؤال الواقعي ليس ما إذا كانت المنطقة تحتاج إلى اتفاقات عربية–إسرائيلية منفصلة أو إلى مبادرة عربية شاملة، بل ما إذا كان بالإمكان بناء إطار إقليمي يجمع بين المسارين، بحيث تكون العلاقات الاقتصادية جزءًا من منظومة سياسية وأمنية أوسع.
لبنان لا يستطيع البقاء خارج التحولات
بالنسبة إلى لبنان، المسألة أكثر إلحاحًا.
فبلد صغير يملك موقعًا جغرافيًا استراتيجيًا على المتوسط لا يستطيع أن يبقى أسير الأزمات الإقليمية فيما تتشكل حوله طرق جديدة للطاقة والتجارة.
لكن الاستفادة من الموقع الجغرافي تتطلب دولة قادرة على اتخاذ القرار الاقتصادي والأمني، ومؤسسات شفافة، واتفاقات واضحة مع الدول المجاورة، وحماية للبنية التحتية من الصراعات المسلحة.
فالاستثمار لا يبحث فقط عن الموقع؛ يبحث عن الاستقرار، والقانون، والضمانات، وقابلية التنبؤ.
ومن هنا فإن إعادة تفعيل دور طرابلس النفطي، وتطوير المرافئ، وربط شمال لبنان بالعراق وسورية والأردن والأسواق المتوسطية، يمكن أن تكون جزءًا من استراتيجية اقتصادية أوسع، لا مشروعًا منفردًا.
السلام كخيار استراتيجي
لا يعني السلام تجاهل الحقوق أو تجاوز النزاعات، كما لا يعني أن المصالح الاقتصادية يمكن أن تحل وحدها قضايا سياسية عمرها عقود.
لكن التجربة الإقليمية والدولية تظهر أن استمرار الصراع له تكلفة هائلة: على الطاقة، والتجارة، والاستثمار، وحركة الأشخاص، والبنية التحتية، والأجيال الجديدة.
وفي المقابل، فإن الاستقرار يفتح إمكانات جديدة للتعاون.
لذلك تحتاج المنطقة إلى مقاربة مختلفة: سلام يحمي الدول، ويحفظ الحقوق، ويمنع استخدام الأراضي العربية كساحات للصراعات الإقليمية، ويفتح الطريق أمام اقتصاد إقليمي مترابط.
وبالنسبة إلى إسرائيل، فإن أي مسار مستدام نحو سلام أوسع لا يمكن أن يتجاهل القضية الفلسطينية، فيما تحتاج الدول العربية في المقابل إلى ضمانات واضحة تتعلق بالأمن والسيادة والاستقرار.
أما لبنان، فعليه أن يحدد موقعه في هذه الخريطة الجديدة على أساس مصالح الدولة اللبنانية، لا على أساس صراعات الآخرين.
فالممرات النفطية يمكن أن تتغير، والأسواق يمكن أن تجد بدائل، ومصادر الطاقة يمكن تنويعها.
لكن الفرص الاقتصادية الكبرى لا تنتظر طويلًا.
ما يمكن تحقيقه اليوم عبر التعاون قد يصبح أكثر كلفة غدًا بسبب استمرار الصراع.
والسؤال الذي يواجه المنطقة ليس فقط: من يملك القوة؟
بل أيضًا: من يستطيع تحويل الجغرافيا من ساحة للصراع إلى مساحة للمصالح المشتركة؟
قد يكون الطريق طويلًا، وقد تكون الخلافات عميقة، لكن البديل واضح أيضًا: استمرار دوامة الأزمات، وإعادة إنتاج المخاطر نفسها كلما أُغلق ممر أو اندلعت حرب.
في الشرق الأوسط، لم يعد السلام مجرد عنوان دبلوماسي.
إنه، إلى جانب الأمن والطاقة والتنمية، أحد الشروط التي ستحدد شكل المنطقة في العقود المقبلة.
شكراً لقراءة المقال... ولا تنسى مشاركته.
إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير