من لبنان إلى اليمن : من يدير صواريخ الحوثيين؟ شهادات عن دور حزب الله والحرس الثوري في قلب التصعيد ضد السعودية “2”

لا يكفي أن تكون المنشأة ذات أهمية اقتصادية أو استراتيجية للدولة المستهدفة لتبرير مهاجمتها. وحتى عندما تستوفي منشأة ما شروط الهدف العسكري، يظل الهجوم خاضعاً لمبدأ التناسب والالتزام باتخاذ الاحتياطات الممكنة لتجنب إلحاق أضرار بالمدنيين أو تقليلها إلى الحد الأدنى...

خاص بوابة بيروت

خلف الصواريخ والمسيّرات: من يملك قرار الهجوم؟

تثير المعلومات المنسوبة إلى مصادر مطلعة على سير العمليات العسكرية في اليمن قضية بالغة الخطورة تتعلق بمراكز اتخاذ القرار داخل المنظومة العسكرية للحوثيين، وطبيعة الصلاحيات التي يمارسها خبراء الحرس الثوري الإيراني وحزب الله اللبناني. فالمسألة لا تتعلق فقط بالجهة التي تعلن مسؤوليتها عن الهجوم، وإنما بمن يحدد أهدافه ويضع خطته ويشرف على تنفيذه، وهي أدوار قد تكشف عن مستوى من السيطرة العملياتية يتجاوز الحدود التنظيمية للجماعة.

وتشير إفادات المصادر إلى وجود تنسيق ميداني يمنح الخبراء الإيرانيين واللبنانيين دوراً مؤثراً في إدارة بعض العمليات الهجومية، بما يطرح احتمال أن تكون القرارات المتعلقة باستخدام الصواريخ والطائرات المسيّرة نتاج ترتيبات مشتركة، لا قرارات حوثية منفردة.

وإذا ثبتت هذه المعطيات، فإنها تضع المسؤولية عن تلك العمليات ضمن إطار أوسع يشمل الأطراف المشاركة في التخطيط والتوجيه، وليس العناصر التي تتولى التنفيذ الميداني وحدها.

وتبرز هنا أهمية تحديد مستويات القيادة والسيطرة، خصوصاً ما يتعلق بصلاحية اعتماد الأهداف وإصدار أوامر التنفيذ وتنسيق العمليات بين الوحدات المختلفة. فالشخص الذي يشارك بصورة جوهرية في التخطيط لهجوم غير مشروع أو يوجّه تنفيذه قد يتحمل مسؤولية قانونية عن دوره، حتى إن لم يكن موجوداً في موقع الإطلاق أو مشاركاً بصورة شخصية في تشغيل السلاح.

ولا تنحصر المسؤولية المحتملة في الأوامر المباشرة، إذ قد تمتد، وفق الشروط القانونية المنطبقة، إلى القيادات التي تمارس سيطرة فعلية على مرؤوسيها، وتعلم أو تتوافر لديها المعلومات التي توجب عليها العلم بارتكاب انتهاكات، ثم تمتنع عن اتخاذ التدابير اللازمة لمنعها أو معاقبة مرتكبيها.

ولذلك، فإن تحديد التسلسل القيادي الفعلي يمثل عنصراً أساسياً في أي مساءلة تتعلق بالهجمات غير المشروعة.

إن تحديد الجهة التي تقف خلف قرار الهجوم لا يمثل تفصيلاً استخباراتياً ثانوياً، بل مسألة ترتبط مباشرة بتوزيع المسؤولية عن العمليات العسكرية العابرة للحدود. فإعلان الحوثيين الإرهابيين مسؤوليتهم عن إطلاق الصواريخ والمسيّرات لا يحسم وحده هوية جميع المشاركين في اتخاذ القرار، ولا يستبعد مساءلة أي أطراف أخرى تثبت مساهمتها الفعلية في التخطيط أو إصدار الأوامر أو التنفيذ.

ومن هنا تكتسب المعلومات المتعلقة بدور الخبراء الإيرانيين واللبنانيين أهميتها، بوصفها مدخلاً لتحديد المسؤوليات التي قد تتجاوز القيادات الحوثية المعلنة.

استهداف المنشآت المدنية: انتهاكات جسيمة ومسؤوليات لا تسقط خلف الحدود

تشكل الهجمات الصاروخية وهجمات الطائرات المسيّرة التي تستهدف المطارات المدنية والمنشآت الاقتصادية والبنية التحتية الحيوية تهديداً مباشراً لأمن السكان وسلامتهم، وتثير مسؤوليات قانونية تتجاوز الجهات التي تعلن تنفيذها. فالقانون الدولي الإنساني لا يمنح الجماعات المسلحة أو الجهات الداعمة لها حصانة من المساءلة، ولا يجيز اتخاذ الأهداف المدنية وسيلة للضغط العسكري أو السياسي، مهما كانت طبيعة النزاع أو المبررات التي يقدمها منفذو الهجمات.

وتؤكد المادة 48 من البروتوكول الإضافي الأول لاتفاقيات جنيف لعام 1977 المبدأ الأساسي القاضي بالتمييز بين السكان المدنيين والمقاتلين، وبين الأعيان المدنية والأهداف العسكرية.

كما تحظر المادة 51 الهجمات الموجهة ضد المدنيين والهجمات العشوائية، بينما تنص المادة 52 على الحماية العامة للأعيان المدنية، ولا تجيز استهدافها إلا عندما تستوفي شروط اعتبارها أهدافاً عسكرية مشروعة.

وتُعد هذه المبادئ من القواعد الأساسية للقانون الدولي الإنساني العرفي، الملزمة للأطراف المتحاربة وفق نطاق انطباقها.

وبموجب هذه القواعد، تتمتع المطارات المدنية والمنشآت النفطية والمرافق الاقتصادية بالحماية المقررة للأعيان المدنية ما لم تتحقق الشروط القانونية التي تجعل منشأة معينة هدفاً عسكرياً في الظروف السائدة.

ولا يكفي أن تكون المنشأة ذات أهمية اقتصادية أو استراتيجية للدولة المستهدفة لتبرير مهاجمتها. وحتى عندما تستوفي منشأة ما شروط الهدف العسكري، يظل الهجوم خاضعاً لمبدأ التناسب والالتزام باتخاذ الاحتياطات الممكنة لتجنب إلحاق أضرار بالمدنيين أو تقليلها إلى الحد الأدنى.

وتكتسب هذه الأحكام أهمية خاصة في الهجمات التي تطال الأراضي السعودية، نظراً إلى ما قد ينجم عن استخدام الصواريخ والطائرات المسيّرة ضد مرافق مكتظة أو منشآت حساسة من خسائر بشرية وأضرار واسعة النطاق. فاستهداف مطار يستخدم لنقل المسافرين، على سبيل المثال، قد يعرّض أعداداً كبيرة من المدنيين للخطر، بينما يمكن أن يؤدي ضرب منشآت الطاقة إلى حرائق وانفجارات وآثار بيئية واقتصادية تمتد إلى مناطق مأهولة.

أما على صعيد المسؤولية الجنائية الفردية، فإن المادة الثامنة من نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية تدرج، ضمن شروط انطباقها، تعمد توجيه الهجمات ضد المدنيين والأعيان المدنية في نطاق جرائم الحرب.

ولا تقتصر المسؤولية المحتملة على مطلق الصاروخ أو مشغّل الطائرة المسيّرة، بل يمكن أن تشمل من يأمر بارتكاب الجريمة أو يساهم فيها أو يساعد على تنفيذها، متى توافرت الأركان المادية والمعنوية المطلوبة قانوناً.

وفي هذا السياق، فإن ثبوت مشاركة خبراء من حزب الله اللبناني أو الحرس الثوري الإيراني في التخطيط لهجمات تستهدف أعياناً مدنية، أو في توجيهها وتنفيذها، من شأنه أن يثير مسؤوليتهم الجنائية الفردية وفق القواعد المنطبقة، بصرف النظر عن مواقعهم التنظيمية أو جنسياتهم.

كما أن وجودهم خارج الأراضي التي انطلقت منها الهجمات لا يشكل بحد ذاته مانعاً قانونياً أمام التحقيق في أدوارهم ومساءلتهم أمام الجهات القضائية المختصة.

وتبقى المسألة الجوهرية أن المسؤولية عن الانتهاكات لا تنتهي عند حدود الجهة التي تتبنى العملية إعلامياً، وإنما تمتد إلى كل من تثبت مساهمته الجنائية فيها.

ومن ثم، فإن حماية المدنيين في السعودية وسائر المناطق المتضررة تقتضي تحقيقات تستند إلى الأدلة وتحدد المسؤوليات الفردية، بما يمنع تحويل الهجمات العابرة للحدود إلى أعمال تفلت من المحاسبة بسبب تعدد الجهات المشاركة فيها.

يتبع..

شكراً لقراءة المقال... ولا تنسى مشاركته.

إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير

اخترنا لك