ثلاث قصص وسؤال واحد : من الطائفية كسلاح إلى التنوّع كرصيد
كيف نقرأ أسبوعًا هزّ النسيج اللبناني، بين استفزازات تُعمّق الانقسام ونساء يبنين جسور السلام...
خاص بوابة بيروت
تداول اللبنانيون ثلاث قصص مختلفة في الشكل، لكنها متشابهة في السؤال: كيف نتعامل مع الاختلاف؟ قصة جريمة مروّعة في جبيل، ومشهد إعلامي يسخر من معتقدات طائفة، وصورة سياسية تُعلَّق على مجسّم فني عام في بيروت. في كل مرة، كان الخطر لا يكمن في الحدث فقط، بل في كيفية تحويله إلى وقود للكراهية والانقسام.
وفي الأسبوع نفسه، كانت هناك صورة أخرى تستحقّ أن نراها: نحو ١٣٠ امرأة من صانعات السلام من مختلف المناطق اللبنانية، اجتمعن في بيروت لتبادل الخبرات وبناء مساحات للتفاهم والعمل المشترك. وبينما كانت بعض المشاهد تدفع الناس نحو الخصام، كانت هؤلاء النساء يبحثن عمّا يجمعهم، وكيف يمكن للاختلاف أن يصبح باباً للتعاون بدل أن يبقى سبباً للصراع.
بصفتي وسيطة، لا أبدأ من سؤال «من على حق؟»، بل من سؤال أعمق: ما الذي يجعلنا ننجرّ بسرعة إلى خطاب «نحن» و«هم»؟ ولماذا نسمح لقصص فردية أو مشاهد مستفزّة أن تعيد رسم هويتنا الوطنية؟ الجواب ليس في إنكار الجرائم أو الإساءات، بل في رفض تحويلها إلى نظام اعتقاد جماعي قائم على الحقد. هذا هو المفتاح: الوعي الجمعي الذي يرفض أن يختزل الإنسان في طائفته، والمواطنة التي تسبق الانتماءات الفرعية، والإنسانية التي تسبق كل شيء.
القصة الأولى: جريمة الخوري سمير ضو… الفرد لا يمثّل جماعة
بحسب ما تداولته وسائل الإعلام والبيانات الأمنية، عُثر على الخوري سمير ضو مقتولاً داخل منزله الصيفي في بلدة عين جرين – جبيل، بعد انقطاع الاتصال به. وأشارت التحقيقات الأولية إلى أنه كان قد استعان بعامل لمساعدته في قطاف الزيتون. لاحقاً، أوقفت القوى الأمنية المشتبه به أركان نداف، وهو سوري الجنسية من محافظة إدلب، واعترف بالجرم المنسوب إليه، وضُبطت بحوزته مفاتيح سيارة الضحية وهاتفه.
تتناقل بعض الروايات أن الشاب كان يردّد «الله أكبر» أثناء الطعن، وأنه قال إنه قتل «كافراً مسيحياً» ليدخل الجنة. هذه الروايات، إن صحّت، لا تغيّر قاعدة أساسية: المسؤولية عن الجريمة فردية. القاتل مسؤول عن فعله، والمحرّض مسؤول عن تحريضه، لكن الجالية السورية أو الدين الإسلامي ليسا في قفص الاتهام. تحميل جماعة كاملة مسؤولية فعل فرد هو خطأ أخلاقي وقانوني، وهو أيضاً خطأ استراتيجي؛ لأنه يضاعف الضحايا بدل أن ينصف الضحية.
من زاوية حقوق الإنسان، الحق في الحياة هو الحق الأول. ومن زاوية المواطنة، العدالة تعني أن يُحاسَب الفاعل لا الجماعة. ومن زاوية الوعي الجمعي، فإن استثمار الجريمة لتصعيد الخطاب الطائفي هو اعتداء ثانٍ على الضحية وعلى المجتمع معاً.
القصة الثانية: السخرية من الدروز… الكوميديا ليست رخصة للإهانة
على إحدى الشاشات، عُرض مشهد يسأل فيه شاب فتاة درزية: «إنتِ درزية صح؟ شو دينك؟ ما عم يخرط مشطي دينك؟»، فتتلعثم الفتاة، في مشهد يوحي بأن الدروز لا يعرفون شيئاً عن دينهم، وسط تهكّم وسخرية. بصرف النظر عن نية المعدّين، النتيجة واحدة: تحويل معتقدات الناس إلى مادة للسخرية.
حرية التعبير حق أساسي، لكنها ليست حقاً في إهانة الآخرين أو تحقير معتقداتهم. النقد المسؤول يخاطب الأفكار والسلوكيات، ولا يختزل ديناً كاملاً في لحظة تهكّم. الدين التوحيدي، كغيره من الأديان والمذاهب، له تاريخه وأدبياته ومسالكه المعرفية. من حق أي إنسان أن يسأل ويتعلّم ويتعمّق، ومن حق المجتمع أن يناقش، لكن ليس من حقه أن يسخر ويستفزّ ويصوّر الآخر كجاهل أو مضحك.
هنا أيضاً، الحل ليس في الرد بالمثل. الرد بالمثل يمنح المستفزّ ما يريد: تفاعلاً وغضباً ومشاهدات. الحل في المطالبة بمعايير إعلامية واضحة: لا للسخرية من المعتقدات، نعم للنقد المسؤول. والحل في التربية على المهارات الإنسانية: الاستماع، والتحقّق، واحترام الاختلاف، ورفض الإهانة كوسيلة للنقاش.
القصة الثالثة: الكرسي الأزرق… الفضاء العام ليس ملكاً لأحد
«الكرسي الأزرق» مجسّم فني من تصميم النحّاتة الفرنسية سابين جيرودي، جاء بمبادرة من مؤسسة Blue Shores International، وأُزيح الستار عنه في 27 تشرين الأول برعاية السيدة الأولى نعمت عون، ليعبّر عن الصداقة اللبنانية – الفرنسية والتواصل الثقافي بين ضفّتَي المتوسط. ثم تداولت المنصات صورة لشاب من آل ناصر الدين وهو يعلّق صورة للأمين العام السابق لحزب الله، حسن نصرالله، على المجسّم.
قد يقول قائل: «هذا فعل فردي، لا يعبّر عن أحد». وهذا صحيح. لكن الفعل الفردي في الفضاء العام ليس بريئاً. الكرسي الأزرق ليس ملكاً لشاب، ولا لطائفة، ولا لحزب. هو ملك للجميع. وضع صورة سياسية عليه يحوّله من رمز مدني جامع إلى منصّة لصراع سياسي وطائفي. والسؤال ليس فقط «من علّق الصورة؟»، بل أيضاً: من يضمن أن يبقى الفضاء العام محايداً ومفتوحاً للجميع؟ في غياب ضوابط واضحة تحمي المعالم العامة من الاستخدام السياسي، يتحوّل كل شيء إلى ساحة معركة.
الفضاء العام هو اختبار يومي للمواطنة. عندما نحترم المعالم العامة، نحن لا نحترم الحجر، بل نحترم حق الجميع في مدينة تخصّ الجميع. وعندما نستخدمها للاستفزاز، نحن لا ننتصر لرأي، بل نُضعف المساحة المشتركة التي تجمعنا.
ما يجمع القصص الثلاث: الطائفية كسلاح، والتنوّع كرصيد
القصص الثلاث لا تجمعها الطائفة، بل تجمعها آلية واحدة: تحويل الدين والرمز والفضاء العام إلى أداة للاستفزاز وكسب التعاطف. في القصة الأولى، تُستغلّ جريمة فردية لتغذية خطاب «الخطر على المسيحيين». في الثانية، تُستغلّ شاشة للسخرية من طائفة كاملة. في الثالثة، يُستغلّ معلم عام لتصفية حسابات سياسية.
لكن، بصفتي وسيطة، أريد أن أطرح قراءة مختلفة: هذه القصص الثلاث تثبت أيضاً أن التنوّع ليس نقطة ضعف، بل رصيد. لبنان ليس بلداً واحداً لأن أبناءه متشابهون، بل لأنه قادر على أن يجمع المختلفين تحت القانون والدستور. المشكلة ليست في الاختلاف، بل في تحويل الاختلاف إلى سلاح. والحل ليس في إلغاء الانتماءات، بل في ترتيبها: أنا مسيحي، مسلم، درزي، سنّي، شيعي… ولكن قبل ذلك كله أنا مواطن لبناني، وإنسان.
الوعي الجمعي الذي نحتاجه ليس وعياً يمحو الذاكرة أو ينكر الجرائم، بل وعيٌ يقول: لن نسمح للألم أن يتحوّل إلى حقد، ولن نسمح للجريمة أن تتحوّل إلى فتنة، ولن نسمح للإساءة أن تتحوّل إلى كراهية. هذا هو معنى «ترك نظام الاعتقاد القائم على الحقد» جانباً: ليس نسياناً، بل رفضاً لأن يقودنا الألم إلى تدمير ما تبقّى منّا.
وفي الأسبوع نفسه… نساء يخترن بناء السلام
هذا الوعي ليس فكرة بعيدة عن الواقع. ففي نهاية الأسبوع الماضي، وضمن أسبوع المرأة والسلام والأمن لعام ٢٠٢٦، اجتمعت في بيروت نحو ١٢٠ امرأة من صانعات السلام من مختلف المناطق اللبنانية، لتبادل تجاربهنّ، وتحديد أولويات مشتركة، وصياغة توصيات لتعزيز مشاركة النساء وتأثيرهنّ في أجندة المرأة والسلام والأمن في لبنان.
وشهد المنتدى إطلاق تقرير لهيئة الأمم المتحدة للمرأة حول قيادة النساء لجهود بناء السلام في لبنان، والدروس المستفادة من الوساطة والمصالحة على المستوى المحلي. وتناول التقرير العوامل التي تتيح للنساء أداء هذا الدور، والعوائق التي تحدّ من مشاركتهنّ وتأثيرهنّ، وسبل ربط عملهنّ بصورة أكثر فاعلية بمواقع صنع القرار.
وتضمّن اللقاء كلمات لضيـفة الشرف السيدة سحر باصيري، ولممثّلين عن الهيئة الوطنية لشؤون المرأة اللبنانية، وسفيرَي فنلندا والنروج، وهيئة الأمم المتحدة للمرأة، والشركاء المنفّذين. وأتاح مساحة تجمع صانعات السلام والمؤسسات الوطنية والشركاء الدوليين، للبحث في كيفية دعم المبادرات المحلية بالسياسات والشراكات والموارد، وضمان وصول خبرات النساء وأصواتهنّ إلى القرارات التي ترسم مستقبل السلام والأمن. وتواصل فنلندا دعم شبكة صانعات السلام في لبنان.
وأنا، بصفتي واحدة من النساء المنتميات إلى هذه الشبكة من صانعات السلام والوسيطات، أشعر بالفخر بهذا العمل، حتى وإن أبعدني وجودي خارج لبنان عن حضور اللقاء. فالانتماء إلى هذه المسيرة مسؤولية نحملها معنا أينما كنّا: كيف نستمع قبل أن نحكم؟ كيف نفهم وجع الآخر من دون أن ننكر وجعنا؟ وكيف نكسر عادة الاتهام، ونمنح الاحترام فرصة ليصبح سلوكاً يومياً؟
ما تقوم به هؤلاء النساء يلامس جذور الانقسام: الأحكام المسبقة، والخوف من المختلف، والاعتقاد بأن الإصغاء ضعف، وأن التعاطف تنازل. بالتعاطف والرحمة، وبالوساطة والحوار، نستطيع أن نراجع هذه الأنماط ونفتح مكاناً لفهم أوسع لبعضنا بعضاً. فالسلام يبدأ أيضاً من طريقة كلامنا، ومن قدرتنا على تهدئة خلاف داخل عائلة أو حيّ، ومن رفضنا أن نحمل إهانة فرد إلى جماعة كاملة.
لكلّ امرأة تُحدث فرقاً في حياتنا اليومية، شكراً. لكلّ من تصغي، وتقرّب وجهات النظر، وتحمي كرامة إنسان، وتعلّم أبناءها احترام المختلف، وتعمل بصمت كي لا يتحوّل الخلاف إلى قطيعة أو عنف، كلّ التقدير. هذا العمل يستحقّ الاعتراف والدعم، وأن يكون له أثر في القرار العام، تحت سقف القانون والدستور، وعلى أساس الحقوق والواجبات المتساوية.
المواطنة والمهارات الإنسانية: كيف نخرج من الحلقة؟
المواطنة ليست شعاراً، بل مهارات وسلوكيات:
1. التحقّق قبل المشاركة: لا تشارك مقطعاً أو خبراً قبل التأكّد من صحّته، لأن المشاركة تضخّم الضرر.
2. نقد الفكرة لا الطائفة: انتقد السلوك والخطاب، لا الدين ولا الجماعة.
3. فردية المسؤولية: المسؤولية عن الجريمة فردية، والدين لا يُحاسَب على أفعال أتباعه.
4. احترام الفضاء العام: المعالم العامة ليست ملكاً لأحد، بل مساحة مشتركة تحميها القوانين.
5. المطالبة بمعايير إعلامية: لا للسخرية من المعتقدات، لا للتحريض الطائفي، نعم للنقد المسؤول.
6. الاستماع قبل الحكم: كثير من الصراعات تبدأ من سوء فهم، وتنتهي عند أول جلسة استماع صادقة.
7. الالتزام بالدستور والقانون: تحت سقف القانون، لكلّ منّا حقوق متساوية، وعلى كلّ منّا واجبات متساوية. الدستور ليس ورقة، بل عقد العيش المشترك.
خاتمة، تحت سقف القانون، نحن واحد
لسنا قوماً لا ينتقدون ولا يغضبون. لكن الغضب المسؤول لا يحرق البلد، بل يحمي الإنسان. من حقنا أن نرفض الإهانة والتحريض، ومن حقنا أن نطالب بإعلام يحترم كرامة الناس، وبفضاء عام محايد، وبعدالة تُحاسب الفرد لا الجماعة.
لكن من واجبنا أيضاً ألّا نتحوّل إلى نسخة من الخطاب الذي ننتقده. الطائفية لا تُهزم بردّ طائفي، بل بردّ وطني وإنساني: بالعدالة للفرد، وبالاحترام للجميع، وبالرفض القاطع لتحويل المعتقدات وكرامة الناس والفضاء العام إلى سلعة للمشاهدات.
وفي أسبوع حمل كلّ هذه المشاهد، تستحقّ صانعات السلام أن تكون جهودهنّ جزءاً من الحكاية التي نرويها عن لبنان. فكما نضيء على ما يجرح نسيجنا الوطني، علينا أن نرى أيضاً من يعملن على ترميمه، بالصبر والتعاطف والشجاعة اليومية.
التنوّع اللبناني ليس عيباً يجب إخفاؤه، بل ثروة يجب حمايتها. ولكن الثروة لا تُحمى بالصمت ولا بالكراهية، بل بالوعي الجمعي، والتربية على الإنسانية، والالتزام بالقانون والدستور. حينها فقط نستطيع أن نكون لبنانيين أولاً، لا لأننا تخلّينا عن انتماءاتنا، بل لأننا قرّرنا أن نضعها في خدمة الإنسان والوطن، لا في خدمة الحقد والانقسام.
نحن واحد تحت سقف القانون. فلنبدأ من هناك.
شكراً لقراءة المقال... ولا تنسى مشاركته.
إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير