بيروت بين التفلت الأمني وتآكل هيبة الدولة : من يحمي المواطن؟
بيروت لا تحتاج إلى مزيد من الخوف، ولا إلى طمأنينة زائفة. إنها تحتاج إلى دولة تحمي، وقضاء يحاسب، وإعلام يتحقق، ومواطن يعرف أن الأمن مسؤولية مشتركة...
–
لم تعد حوادث السلب والسرقة وإطلاق النار في بيروت مجرد أخبار عابرة في نشرات المساء، بل باتت تطرح سؤالاً يتجاوز الجريمة بحد ذاتها: ماذا يحدث لمجتمع عندما تتراجع ثقته بقدرة الدولة على توفير الأمان وحماية مواطنيها؟
إن مقاربة التفلت الأمني من زاوية أمنية بحتة تبقى قاصرة عن فهم أبعاده الحقيقية. فالجريمة ليست دائماً فعلاً معزولاً عن محيطه، بل قد تكون أحد تجليات اختلال أعمق في البنية الاقتصادية والاجتماعية والمؤسساتية.
لقد راكم لبنان، على مدى سنوات، أزمات متداخلة: انهيار مالي، تراجع في القدرة الشرائية، اتساع الفوارق الاجتماعية، حروب ونزوح، وتراجع في فعالية المؤسسات والخدمات العامة. وفي ظل هذه التحولات، تتعرض منظومة الضبط الاجتماعي لضغوط متزايدة، خصوصاً عندما يشعر المواطن بأن القانون لم يعد يوفر له الحماية الكافية.
لكن من الخطأ اختزال الجريمة بالفقر. فالفقر لا يصنع مجرماً بالضرورة، وغالبية الفقراء يحافظون على احترام القانون رغم قسوة ظروفهم. إنما الخطورة تبدأ عندما يتقاطع الحرمان الاقتصادي مع انسداد الفرص، وانتشار السلاح، وضعف الردع، والشعور بإمكانية الإفلات من العقاب. عندها تصبح البيئة أكثر قابلية لنمو السلوك الإجرامي والشبكات المنظمة.
وثمة عامل لا يقل خطورة، يتمثل في تراجع هيبة القانون، لا بمعنى الخوف من السلطة، بل بمعنى الاقتناع بعدالتها ومساواتها بين المواطنين. فحين تتفاوت القدرة على الوصول إلى العدالة، أو تتدخل الحمايات والنفوذ في مسار المحاسبة، تتضرر الثقة بالدولة، ويضعف الإيمان بالقانون بوصفه مرجعية مشتركة للجميع.
وفي خضم هذا الواقع، تبرز مسؤولية لا تقل أهمية عن مسؤولية المؤسسات الأمنية، وهي مسؤولية الإعلام والمواطن في التعامل مع المعلومات.
لقد أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي سلاحاً ذا حدين. فهي قادرة على تنبيه المواطنين إلى مخاطر حقيقية، لكنها قادرة أيضاً على تحويل حادثة فردية إلى حالة هلع جماعي، خصوصاً عندما تتناقل الصفحات أخباراً غير موثقة، أو تعيد نشر حوادث قديمة على أنها وقعت اليوم، أو تعمم وقائع محدودة على مدينة بأكملها.
وهنا تكمن المفارقة: قد تتضاعف مشاعر الخوف في المجتمع من دون أن تتضاعف الحوادث الأمنية بالضرورة. فالتكرار المستمر للخبر المخيف يمنحه في الوعي الجماعي حجماً قد يتجاوز حجمه الفعلي.
ولنكن موضوعيين، فإن جرائم السرقة والاعتداء والسلب ليست ظواهر لبنانية حصرية، بل تحدث في مختلف دول العالم، بما فيها الدول التي تتمتع بمؤسسات أمنية وقضائية فعالة. والفارق الحقيقي لا يكمن في انعدام الجريمة كلياً، وهو أمر غير واقعي، بل في قدرة المؤسسات على الوقاية منها، وملاحقة مرتكبيها، وتطبيق القانون، وطمأنة المواطنين بالوقائع لا بالشعارات.
لكن رفض التهويل لا يعني الدعوة إلى الاستهتار. فالوعي الأمني ضرورة، والحذر مسؤولية.
من حق المواطن، بل من واجبه تجاه نفسه وعائلته، أن يتخذ الاحتياطات البديهية: إقفال أبواب السيارة أثناء القيادة، والانتباه إلى محيطه، وتجنب الاستجابة لاستيقاف مجهول في ظروف مريبة، وعدم المجازفة عند التعرض لأي تهديد، وإبلاغ الجهات المختصة عن التحركات المشبوهة.
غير أن الحذر لا ينبغي أن يتحول إلى انعدام ثقة مطلق بالآخرين، ولا إلى اتهام كل غريب أو محتاج. فالمجتمع الذي يعيش أفراده في حالة شك دائم يفقد تدريجياً أحد أهم مقومات أمنه: الثقة الاجتماعية.
وهنا أستعيد فكرة أؤمن بها: كل مواطن خفير لوطنه، ولكن ليس كل مواطن قاضياً أو محققاً أو مصدراً للأخبار.
أن نكون خفراء لوطننا يعني أن نكون يقظين، متعاونين مع المؤسسات، مسؤولين في تصرفاتنا، وحريصين على سلامة الآخرين. ولا يعني أن نمارس العدالة بأيدينا، أو ننشر الاتهامات، أو نساهم في تضخيم الخوف تحت عنوان التحذير.
فليس كل ما يصل إلى هواتفنا حقيقة، وليس كل ما نعرفه يستوجب النشر قبل التحقق منه. وفي الأزمات، قد تكون مسؤولية الامتناع عن نشر خبر غير موثوق بأهمية مسؤولية التحذير من خطر حقيقي.
وفي المقابل، لا يجوز تجاهل الجهود التي تبذلها الأجهزة الأمنية في ملاحقة المجرمين وتوقيفهم، ولا تحميلها وحدها مسؤولية اختلالات تراكمت عبر عقود. فالأجهزة الأمنية تعمل بدورها ضمن واقع اقتصادي ومؤسساتي ضاغط، وهي تحتاج إلى الإمكانات والدعم والمساءلة كي تتمكن من أداء مهامها بفعالية.
إن معالجة الظاهرة تستدعي مقاربة متكاملة: تعزيز الحضور الأمني المبني على المعلومات والوقاية، وتسريع الإجراءات القضائية، وضبط السلاح غير الشرعي، ومكافحة شبكات الجريمة المنظمة، والاستثمار في التعليم وفرص العمل والحماية الاجتماعية، إلى جانب اعتماد تواصل رسمي شفاف يضع الحقائق والأرقام أمام المواطنين.
بيروت لا تحتاج إلى مزيد من الخوف، ولا إلى طمأنينة زائفة. إنها تحتاج إلى دولة تحمي، وقضاء يحاسب، وإعلام يتحقق، ومواطن يعرف أن الأمن مسؤولية مشتركة.
فالدولة لا تُقاس هيبتها بعدد الحواجز والدوريات وحدها، بل بقدرتها على فرض القانون بعدالة، وحماية الضعيف قبل القوي، وإقناع المواطن بأن حقوقه ليست متروكة لموازين النفوذ.
أما مسؤوليتنا نحن، فلا تقتصر على المطالبة بالأمان، بل تشمل أيضاً عدم المساهمة في تقويض الشعور به من خلال نشر الشائعات والمعلومات المضللة.
فلنكن يقظين من دون هلع، وحذرين من دون عدائية، ومسؤولين من دون تهويل. لأن الأمن لا تصنعه الدولة وحدها، كما أن الخوف لا تصنعه الجريمة وحدها.
شكراً لقراءة المقال... ولا تنسى مشاركته.
إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير