المِهن الحِرفيّة في لبنان، من إرث الماضي إلى اقتصاد المستقبل

ترافقت نشأة المدن والبلدات اللبنانيّة مع مجموعة من المِهن، أتقنها أجدادنا وبرعوا في جودة انتاجها، فارضين تسويقها على شعوب الجوار...

خاص بوابة بيروت

ما نطلق عليها اليوم صفة المِهن الحِرفيّة، كانت في زمانها المِهن الضروريّة لتسيير أمور الحياة اليوميّة، من صناعة للحاجات المنزليّة، والأدوات الزراعيّة، وأواني حفظ المؤونة، ومراكب صيد السمك وغيرها.

تاريخيًّا، ترافقت نشأة المدن والبلدات اللبنانيّة مع مجموعة من المِهن، أتقنها أجدادنا وبرعوا في جودة انتاجها، فارضين تسويقها على شعوب الجوار. ولطالما ارتبط هذا الانفتاح التجاري بعلاقات وثيقة، وتبادلات ثقافيّة واجتماعيّة، كانت أشهرها العلاقة بين ملوك جبيل والفراعنة، منذ الألف الثالث قبل الميلاد.

نستعرض في الجدول المرفق، مجموعة ممّا بقي من هذه المِهن الحِرفيّة،في المدن والبلدات اللبنانيّة :

المدينة المِهنة
برج حمّود وبيروت صياغة المجوهرات والحِرف الجلديّة المتقدّمة
زحلة زخرفة الخشب وصناعة أواني التقطير النحاسيّة (الكركة)
برجا حياكة القطن والنسيج
زوق مكايل حياكة عباءات الحرير المطرّزة واللوحات النسيجيّة الجدارية
بشري وإهدن وزغرتا المنسوجات والعباءات الصوفيّة السميكة
الصرفند صناعة الزجاج المنفوخ التقليدي
بعدران ومعاصر الشوف صناعة البلاط المطبّع
صيدا الصابون البلدي (زيت الزيتون والغار)
بعلبك التطريز والعباءات التراثيّة والسجاد والبساط اليدوي
صيدا والميناء صناعة المراكب الخشبيّة وشِباك الصيد
بيت شباب صناعة الأجراس
ضهر العين صناعة الصابون المعطّر (بدر حسون)
جزّين صناعة السكاكين والتحف
طرابلس صناعة الصابون المعطّر والملون والنحاسيات والأثاث الخشبي
دير القمر وبيت الدين الزخرفة المعماريّة الشرقيّة
عاليه والشوف صناعة القش والخيزران، تحضير المونة البلديّة
راشيا الفخار صناعة الفخار الطيني
عرسال حياكة السجاد اليدوي

كيف ومتى نشأت هذه المِهن؟

بحكم الموقع الجغرافي للبنان، استفاد اللبنانيّون من التواصل مع الشعوب المجاورة، ونقلوا عنهم الكثير من المِهن والأعمال الحِرفيّة، وتفوّقوا في مجالات عديدة ممّا أتاح لهم أن يكونوا من أسياد التجارة المتوسطيّة. كما أسّسوا، في عدّة مواقع، أسواقًا وكونتوارات تردّدت شهرتها شرقًا وغربًا. فبرعوا، الى جانب المِهن المسجّلة حصريًّا لهم، بمجموعة من الأنشطة الصناعيّة، غاب قسم منها في طيّات التاريخ، كالصباغ الأرجواني مثلًا، فيما قسم آخر ما زال يصارع للبقاء.

بالعودة الى ظروف نشأة المِهن الحِرفيّة، نرى أنّ لكلٍّ منها حكاية خاصّة :

  • فمنها التي دُعيت بإبنة الأرض، كصناعة الفخار في راشيا حيث توفّرت التربة الطينيّة، وحياكة السجاد في بعلبك حيث يتوفّر الصوف من قطعان الغنم، وصنع الصابون من زيت الزيتون والغار حيث تنتشر هاتان الشجرتان، وتصنيع المراكب والشِّباك على الشواطئ المناسبة للصيد… ومنها التي دُعيت بإبنة الحاجة، كما حدث بعد صعوبة استيراد الأجراس من أوروبا مع بداية القرن الثامن عشر، ومصادفة وجود خبير روسي في بيت شباب، هو الذي نقل تقنيّة هذه الصنعة الى أحد شباب البلدة (الذي حمل في ما بعد لقب نفّاع).
  • ومنها التي دُعيت بإبنة التطوير، خصوصًا في صناعة الزجاج، حيث أضاف الفينيقيّون على ما تعلّموه من المصريّين والبابليّين، تقنية النفخ باستخدام أنبوب معدني، أدّت الى تنويع الأشكال، وتخفيض كلفة الإنتاج، وبالتالي انتشار المنتوجات في حوض المتوسط.

معظم المِهن الحِرفيّة المعروفة اليوم هي إرث عائلي، انتقل من الجدود الى الأبناء الى الأحفاد، حيث أصبح البيت وحدة إنتاجيّة مصغّرة يتعلّم فيها الأبناء أسرار المِهنة من ذويهم. وقد ساهم هذا الترابط والتضامن العائلي، في الاستمراريّة، بالرغم من الصعوبات المادّيّة وانخفاض الإيرادات الماليّة في العديد من المحطّات التاريخيّة. وهنا نستشهد بقول للمهندس “غسان فياض” الذي أعاد صناعة البلاط الملوّن الى الوجود، في محترفه في بلدة معاصر الشوف، حيث يقول : “إنّ لهذه المِهنة رائحة حنين، تُذكِّر بمنازل الأجداد ولمسات الماضي الجميل. فبحسب رأيه، البلاطة هي خليط القديم والجديد، “فلنحافظ على هويّة البلاطة العتيقة، لكن بروح مُعاصِرة”.

من جهة ثانية، تعاملت هذه المِهن مع التطوّر التكنولوجي، بنظرتين مختلفتين. فالبعض رأى فيه تهديدًا مباشرًا للحرفيّين من خلال استيراد القطع المصنّعة خارجًا، بأسعار تنافسيّة، بينما رأى البعض الآخر أن التكنولوجيا هي وسيلة لتطوير وتحسين الانتاج، وتساهم في تسويقه عبر المنصّات الالكترونيّة.

كيف تجاهد المِهن الحِرفيّة للاستمرار؟

لنأخذ الإجابة مباشرة من مختار جزين السيّد “مارون عبدالنور” الذي تحدّث في صعوبات الصناعة الجزينيّة، مستعرِضًا الأزمات الاقتصاديّة المتتالية، وتراجع ساعات التغذية بالكهرباء، وغياب المواد الأوليّة حينًا وارتفاع أسعارها حينًا آخر، بالإضافة الى منافسة البضائع المستورَدة الرخيصة للانتاج المحلّي.

في هذا الإطار، يقول المختار إنّ إيرادات هذا القطاع قد تراجعت بحدود 70%، منذ بدء الأزمة في 2019، والأسباب تتوزّع بين أمنيّة وإقتصاديّة وسياحيّة. أمّا العوائق الماليّة، فتتمثّل بانهيار العملة الوطنيّة، وتراجع العائدات، وتوقّف المصارف عن التسليف وإعطاء الودائع لأصحابها، كلّ ذلك أدّى الى انخفاض الإنتاج.

وفي إطار المعالجة – يتابع المختار – حاول عدد من العاملين في الصناعة الجزينيّة التواصل مع الوزارات المعنيّة وعرض مطالبهم، بهدف التخفيف من الأعباء، إلّا أن الوعود بقيت عند حدود اللقاء، ولم تترجَم بإجراءات على الأرض.

حاليًّا، هناك مخاوف كثيرة من زوال هذه الحِرفة بعد ذهاب الجيل الحالي، لا سيّما وأنّ الجيل الجديد لا يُبدي أيّ اهتمام لتعلّمها والمحافظة عليها.

في النهاية، يتمنّى المختار، أن تعود الدولة لاعتماد الصناعة الجزينيّة في الهدايا التي تقدَّم الى الملوك والرؤساء كرمز لبنانيّ، وبذلك تنشَط حركة الانتاج ونحفظ هذا الإرث الوطني.

ما هي السبل الكفيلة بالمحافظة على المِهن الحِرفيّة؟

في البحث عن الحلول، من الطبيعي أن نشهَد لمبادرات ناجحة، يجب المحافظة عليها، ودعمها، ودمجها في المشاريع المستقبليّة، كما يجب البحث عن خطوات غير مسبوقة تفي بالغرض، ومنها :

– تفعيل دور الجمعيّات غير الحكوميّة كمؤسّسة اليد الحاضرة (The Ready Hand)، جمعية حرفي لبنان، (L’artisan du Liban)، و”بيت المحترف اللبناني” التابع لوزارة الشؤون الاجتماعية والذي أعيد إطلاقه حديثًا. هذه الجمعيّات وقفت الى جانب المهنيّين الحِرفيّين وأمّنت لهم الدعم من خلال الإعلان والتسويق والمعارض وغيرها.

– التوجّه نحو التصدير والنفاذ الى أسواق الانتشار اللبناني، كونه الرافعة الاقتصاديّة للبنان وقطاعاته الانتاجيّة، بالإضافة الى تحديث التقنيّات ومجاراة الموضة العالميّة، اقتداء بنموذج قرية “بدر حسّون” لصناعة الصابون المعطّر (والفاخر) التي حقّقت انتشارًا في أكثر من 600 نقطة بيع توزّعت في قارات العالم الخمس.

– الرعاية الدوليّة العاجلة (UNESCO)، على غرار ما حصل بعد انفجار المرفأ سنة 2020، حين فَقَدَ العديد من الفنّانين والموسيقيّين والحرفيّين والمؤسّسات الصغيرة والمتوسطة الأدوات الحِرفيّة والمرافق التي يحتاجونها للقيام بعملهم.

– البحث في الرعاية الرسميّة، من خلال دخول الوزارات المعنيّة مباشرة (كالشؤون الاجتماعية، الثقافة، والسياحة)، ونقابات الحرفيّين، وهذا ما يستوجب وضع خطط للدعم، وإنشاء مدارس مهنيّة متخصّصة.

– منح قطاع المِهن الحِرفيّة مغريات قانونيّة وماليّة كالإعفاءات الجمركيّة للمواد الأوليّة، وتصفير الضرائب، وإقامة المعارض المحليّة والعالميّة، بالإضافة الى حماية المنشأ الجغرافي، والعلامات التجاريّة، والملكيّة الفكريّة والتصاميم الحِرفيّة.

– دمج التكنولوجيا الرقميّة وكفايات الذكاء الاصطناعي في الأبحاث، والتصنيع، والتسويق، وربط كل العاملين في هذه المِهن بمنصّات محليّة وعالميّة تفيدهم علميًّا وتجاريًّا.

كيف تثَمَّن المِهن الحِرفيّة في قطاع السياحة؟

للمهن الحِرفيّة أوجه عديدة، تستفيد منها السياحة بشكل مباشر، نختصرها بثلاثة :

– السياحة الثقافيّة Tourisme culturel من خلال جذب السيّاح والمغتربين، الى مواقع عمل المِهن الحِرفيّة، للتعرّف عليها، وشراء المنتجات الفريدة التي تحمل هويّة البلاد.

– السياحة التجريبيّة Tourisme expérientiel التي تُحوِّل الحِرف إلى تجارب سياحيّة، حيث يتواصل الزائر مع السكان المحليّين والحرفيّين للتعلّم منهم، ممّا يحرّك البُعدين الحِسّي والعاطفي لدى السائح، حين يتلَمّس بالتجربة والمشاركة مسارَ المِهنة.

– السياحة المنتِجة Tourisme créatif التي تتحَقّق بتوفير فرص العمل، وإدخال العملات الأجنبيّة، وخلق مصادر دخل مستدام عبر التصدير أو عبر منصّات التجارة الإلكترونيّة.

المِهن الحِرفيّة وآفاقها المستقبليّة

في النهاية، هناك إرث وطنيّ يستوجب الحماية، ويستوجب إعادة تقييمه ونقله من مجموعة حِرفٍ حملناها من الماضي، الى قطاع اقتصاديّ وسياحيّ واعد، سبقتنا إليه دول العالم وحقّقت من خلاله إيرادات ضخمة. ويبقى الشرط الأساس أن يحظى برعاية الهيئات الرسميّة، والقطاع الخاص المموِّل الأوّل للاستثمارات، وأن يحظى باهتمام الشباب، كونهم طاقة الابتكار المنتظَر في كل الميادين.

شكراً لقراءة المقال... ولا تنسى مشاركته.

إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير

اخترنا لك