إن لم يكن من بعبدا… فالبند السابع

الافتتاحية بقلم مدير التحرير د. ميشال الشمّاعي

لا يختلف لبنانيّان أصيلان يؤمنان بوجوديّة هذا الوطن بأنّ خطاب فخامة رئيس الجمهوريّة العماد جوزاف عون قد وضع النقاط على الحروف إذ أكّد فيه على استعادة لبنان وقراره منذ أكثر من نصف قرن. ما يعني عمليًّا بأنّ فخامته قد أسقط نفوذ منظّمة حزب الله ورهنها الخارجيّ لمصير لبنان لصالح الجمهوريّة الإسلامية في إيران بالضربة السياديّة القاضية. حيث ثبّت خروج لبنان رسميًّا من المحور الإيراني وإلى غير رجعة.

الكرامة الحقيقيّة

هكذا نجح فخامة الرئيس بإعادة تعريف موقع الدّولة اللبنانية السيادي بعد عقود من إسقاط هذا الموقع، امتدّت من ستينيّات القرن الماضي وحتّى تاريخ هذا الخطاب، الذي بالطبع لم يعجب منظّمة حزب الله، ما دفع ببعض قياديّيها إلى تلقّي التردّدات الزلزاليّة لخطاب الفخامة بخطاب تهديدي متدنٍّ جدًّا يبلغون اللبنانيين جميعهم باستمرارهم بأعمالهم التي أسقطت الدّولة. ولا يخفى على أحد بأنّ المعنيين بهذا الكلام هو فخامته.

وهكذا أيضًا أسقط فخامته سرديّات ” الكرامة” و” الحقوق” بعدما باتت تنام في عيون أطفالهم على أرصفة بيروت التي ما عادت آمنة لمجرّد وجودهم فيها. وأعاد فخامته بخطابه هذه السرديّات إلى قلب الدّولة فقط لا غير، مقدّمًا إطارًا فلسفيًّا جديدًا سليمًا لمفهوم تحرير قرار الدّولة من اقتصاد المحاور لوقف النزيف البشري واستعادة الأرض وبسط سلطة الدّولة بقواها الشرعيّة حصرًا على كامل الحدود اللبنانية. كما نجح فخامته بتفكيك الثنائيّة التعارضيّة القائمة على ركني التفاوض والاستسلام ليجعل منها ثنائيّة معاكسة قوامها حقّ الدولة وكرامة شعبها.

أمام هذا الواقع، وتحت هذا السقف العالي الذي رفعه فخامة الرئيس، تبقى العبرة في قدرة المؤسسات التنفيذيّة للدّولة اللبنانيّة على ترجمة هذا الخطاب، معطوفًا على قرارات الحكومة السابقة إلى أمر واقع عمليّ. وهكذا يرتقي هذا الوعد إلى مستوى تأسيسيّ فعليّ لدولة حقيقيّة قادرة أن تواجه لتأمين كرامة شعبها من دون أن تدفع به إلى الانتحار الجماعي.

من اقتصاد الشهادة إلى اقتصاد الفقر

بعدما حوّلت منظّمة حزب الله بغبائها الاستراتيجي فلسفة المقاومة من مشروع حماية مجتمع بكامله إلى تشريد لهذا المجتمع واستنزافه إلى حدّ الانتحار، وأمام هول الخسائر الفادحة التي فجع بها بعض العائدين بعد وقف إطلاق النّار الهشّ لتفقّد ما تبقّى لهم من ممتلكات، بات من الملحّ دعوة هذا المجتمع إلى ثورة ذاتيّة بعد تحويل مجتمعٍ كامل إلى خزّان خسائر بشرية ومادية، وإلى اقتصاد طوارئ دائم تُموَّل كلفته من مدّخرات الفقراء أنفسهم.

فصار هذا الخطاب قائم على وعود فارغة لن تؤمّن حتّى مجرّد عودة لائقة. ولا سيّما بعد سقوط وهم التحرير لتبدا منظّمة حزب الله بإعادة إنتاج الخطاب التبعي، علّها تستطيع تعويض الخسائر التي منيت بها إيران بعد خضوعها لإعادة فتح مضيق هرمز ومن دون رسوم نتيجة قلب السحر على الساحر.

فالخسائر التي منيت بها بعد تراجعها عن كلّ مطالبها حيث فقدت إيران القدرة التخزينية بسبب عدم قدرتها على تصدير النفط، لقد فقدت إيران ورقة المضيق وورقة التخصيب بعدما تنازلت كلّيًّا بعد تراجعها من 60 % إلى 20 % إلى 3.67 وصولا إلى صفر تخصيب.

وبعد رفضها بإخراج المخزون الذي يتجاوز ال 440 كلغ وإصرارها على مراقبته من وكالة الطاقة الذّرّيّة وافقت على إخراجه مع موافقتها على عدم إعادة التخصيب وإقفالها نهائيًّا موضوع الأذرع من وقف اطلاق النّار بلبنان الذي حقّقه فخامة الرئيس مع الرئيس الأميركي.

وهكذا أصبح اقتصاد الفقر والدمار بالنسبة إلى هذه الجماعة واجب جهادي مقدّس، والاعتراض عليه خيانة مذهبيّة. وهنا بالتحديد تطرح إشكاليّة تعريف انخراط هذا الجزء من المكوّن الشيعي في صلب الفكرة اللبنانية من جديد. هل ما زال ذلك أمرًا متاحًا؟

الرئيس ترامب يهزّ الدنيا بنصره

يشير تصريح الرئيس الأميركي دونالد ترامب لشبكة “CBS” بأن إيران وافقت على وقف دعم الجماعات الوكيلة مثل “حزب الله وحركة حماس” إلى ولادة الهندسة الجديدة للشرق الأوسط الجديد، الذي على ما يبدو بانّه سيكون أسرع من توقّعات الجميع. حيث قام الرئيس ترامب بإعادة تعريف موازين الردع ومساحات التفاوض.

لكن يبقى الخوف من أن ننتقل من مسألة تفكيك الولاءات في هذه المرحلة إلى إعادة ترتيبها في المرحلة الجديدة. ممّا لا شكّ فيه انّ نصر الرئيس ترامب يكمن في إبطال قدرة إيران على ممارسة التقيّة الديبلوماسيّة تمهيدًا لإعادة تموضع تكتيكية تُبدّل فيها الأدوات شرط أن تحافظ على جوهر مشروع حكمها.

وتبقى خشيتنا جميعًا في المرحلة القادمة من الوقوع في الفراغ الذي قد يخلّفه تراجع الدعم، وما قد يستتبعه من إعادة تموضع في دولة قواها التنفيذيّة بدت عاجزة حتّى الساعة. ما قد يتيح لهذه القوى بالتحديد بإعادة رسم خرائط القوى داخل لبنان، مع قدرتها الدّائمة على الاستثمار بالحدّ الأقصى في زلزلة البنية الداخليّة أو بالحدّ الأدنى زعزعة الاستقرار الدّاخلي. فهل هذا سيحتّم على الحكومة اللبنانيّة أن تسعى لاستحضار قوى تنفيذيّة خارجيّة تحت مسمّى البند السابع أو ما يشبهه؟

اخترنا لك
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com