العودة إلى الركام… حين يُسوَّق الخراب بوصفه انتصارًا
الخط الأصفر... حدودٌ للعدوان أم آفاقٌ للسلام؟
بقلم بلال مهدي – خاص بوابة بيروت
شكّل مشهد عودة أهالي الضاحية الجنوبية وجنوب لبنان إلى منازلهم المهدّمة والمناطق المهدَّدة واحدًا من أكثر المشاهد التباسًا في الحياة اللبنانية الحديثة. صورة العائدين رُفعت سريعًا إلى مرتبة “الإنتصار”، وروِّج لها باعتبارها دليل صمود وتحدٍّ وقدرة على كسر الحرب. غير أن القراءة الهادئة لما جرى تكشف واقعًا مختلفًا تمامًا، حيث اختلط الألم بالدعاية، واختلطت حاجة الناس الطبيعية إلى العودة بمشروع سياسي أراد استثمار دموعهم وخراب بيوتهم في صناعة رواية نصر مصطنع.
عرفت القيادات التي أدارت هذا المشهد حجم الأخطار الميدانية والأمنية، وكانت تدرك أن المناطق المستهدفة لم تتحول فجأة إلى مساحات آمنة. لذلك صدرت التحذيرات الرسمية من التسرّع في العودة، لكن الوجه الآخر للمشهد كان مختلفًا، إذ فُتحت الأبواب لوجستيًا وإعلاميًا أمام حركة العودة، وجرى تسويقها على نطاق واسع بوصفها لحظة تاريخية. هذا التناقض لا يمكن اعتباره صدفة، بل يعكس ذهنية سياسية اعتادت إدارة الصورة العامة أكثر من إدارة سلامة الناس، واعتادت مخاطبة الجمهور بالشعارات بدل مصارحته بالحقائق.
بدت العودة بالنسبة إلى كثيرين فعلًا إنسانيًا مفهومًا، فالأهالي يريدون تفقد منازلهم، إنقاذ ما تبقى من ممتلكاتهم، واحتضان أرضهم مهما كان الخراب كبيرًا. لكن السلطة الحزبية التي أمسكت بالمشهد حوّلت هذه المشاعر المشروعة إلى مادة دعائية. صار المواطن العائد جزءًا من مسرح سياسي، وصارت المعاناة مادة للخطابات، وصار الركام خلفية لصناعة صورة إعلامية تُستخدم داخليًا وخارجيًا.
انهارت هذه الرواية سريعًا. ساعات قليلة كانت كافية كي يبدأ هجوم منظم من نواب وإعلاميين ومؤثرين تابعين للثنائي الشيعي على الإتفاق نفسه الذي سبق تقديمه كإنجاز كبير. فجأة إنتقل الخطاب من الإحتفال إلى الإعتراض، ومن التمجيد إلى التشكيك، ومن إعلان النصر إلى الحديث عن الثغرات والمؤامرات. هذا التحول السريع كشف أن الهدف لم يكن توضيح الحقيقة، بل التحكم بالمزاج الشعبي بحسب الحاجة السياسية.
يكمن جوهر الأزمة في أن الإتفاق المطروح لا ينسجم أصلًا مع خطاب السلاح المفتوح والحروب الدائمة. النصوص والوقائع تشير إلى مسار مختلف، يقوم على تثبيت وقف إطلاق النار، وفتح باب ترتيبات جديدة، وتعزيز دور الدولة اللبنانية ومؤسساتها، وصولًا إلى حصرية القرار السيادي والأمني بيد الشرعية وحدها. لهذا السبب بدا الإتفاق مزعجًا لمن بنى نفوذه طويلًا على منطق الدولة الضعيفة والسلاح الموازي.
أكد خطاب رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون هذا الاتجاه حين قدّم وقف إطلاق النار كمدخل لمسار سياسي ودبلوماسي جديد، لا كمحطة عابرة في حرب مفتوحة. هنا تحديدًا سقطت رواية “الانتصار”، لأن ما جرى لم يكن تكريسًا لمعادلة السلاح، بل بداية نقاش جدي حول إنهاء زمن تلك المعادلة.
طرح المشهد سؤالًا بالغ الأهمية، كم مرة سيُطلب من اللبنانيين دفع ثمن الحروب، ثم يُطلب منهم التصفيق للخراب؟ كم مرة سيُستخدم وجع الناس لتجميل هزائم سياسية؟ وكم مرة سيُقال للجمهور إن الركام انتصار، بينما الحقيقة أن الدولة وحدها هي الطريق إلى الأمن والاستقرار؟
وقف اللبنانيون طويلًا أمام مسرحيات الوهم، لكن المرحلة المقبلة تفرض لغة أخرى، سيادة واضحة، جيش واحد، قرار واحد، وسلامة الناس فوق كل دعاية. تلك هي المعادلة الوحيدة القابلة للحياة، وما عداها ليس إلا استثمارًا قاسيًا في مآسي البشر.
إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير