عودةٌ الى ميشال شيحا
بقلم د. جورج شبلي- خاص بوابة بيروت
لمّا كان الوطنُ أقوى تَحَدٍّ لسياجاتِ الزمان والمكان، وأَبلغَ صدًى في وجدان النّاس، وفِعلَ خَلقٍ جماعيًّا بمادةٍ إنسانيّة، كان الشّعورُ به أَصفى حالاتِ الانفعالِ العاطفيّ، وأعمقَ حضورٍ للإدراكِ العقليّ، حتى قيلَ إنّ الوطنَ لا يُفهَمُ حقَّ الفهم إلّا هكذا.
ميشال شيحا هو أرسطو لبنان، لِما بين المُفكِّرَين من أداءِ دَورٍ فاعلٍ في بناء دستورٍ مُمَدمَكٍ على قِيَم الحقِّ والعدالة، انتصارًا لاطمئنان مجتمع النّاس الى دولةٍ تستندُ الى أُطُرِ الحريّة، والنُّهوض، والتطوّر، والتمدّن. هكذا كان حظُّ أثينا القديمة مع أرسطو، وكذلك كان نصيبُ لبنان مع شيحا، بكتابةٍ لفصولِ كيانٍ لا يُبى بالزّخارف، وبتأطيرٍ لعقيدةٍ ذاتِ منهجيّةٍ ” إستراتيجيّةٍ ” شكّلَت، مع أرسطو منعطفًا اجتماعيّا – سياسيًّا واعدًا، ومع ميشال شيحا ثورةَ ” الفكرة اللبنانية “.
ميشال شيحا هو بانٍ مُبدِعٌ، شغلَتهُ القضيةُ الوطنيّة، كيانًا ودولة، فمهَّدَ لدستورٍ لم يتحفّظ في طرح المبادئ التي تُنبِئُ بهويّةِ وطن، ولم يبقَ إبداعُه في عتمة الجدران، لأنّه طرحٌ ثوريٌّ أَنهضَ نظامَ السيادةِ والمواطنةِ من النقطةِ السُّفلى الى النُّقطةِ العُليا لترجيح كفّةِ الحقّ، وهو، بذلك، خالفَ ما قالَه “يحيى بن عَدِيّ” من أنّ عِلمَ إدراك الحقّ صَعب…ولأنّ شيحا آمنَ بقدسيّةِ لبنان، وبكرامةِ وجودِه، وبحضورِه اليَقظِ، وبتجربةِ تعدُّديّته ( ربَّما النّاجحة آنذاك )،اعتبرَ أنّ وطنَه أنموذجٌ مختلِفٌ لا يُشبِه إلّا ذاتَه، ويَصلحُ أن يُتَبَنّى حلًّا لِما يتخبّطُ به الأوقيانوسُ المُحيطُ به من إشكاليّاتٍ عِرقيّة وإثنيّة وطائفيّة…
يقولُ ” ستِندال “: ” إنّنا تُعساءُ لأننا لا نريدُ أن نكون سُعداء”، واستنادًا، لا يمكنُنا أن ندّعيَ ظُلمًا أنّ الزّمنَ العاتي بمجرياتِهِ، والأحداثَ بما خلّفتهُ من مآسٍ، والسياسةَ بما مارسَت من شراسة، كلّ ذلك مَسَخَنا أشقياءَ بائسين، وصنعَ لنا التّعاسةَ من دون أن يكون لنا يدٌ في الاختيار. وإذا كان الأرجحُ أنّنا، نحن، نختار سعادتَنا أو تعاستَنا، فَلْنَعُدْ الى فكر ميشال شيحا، وهو أصدقُ حَظوةٍ لمفهومِ الوطنيّةِ السّعيدة، وآنَسُ صراطٍ مستقيمٍ يقودُ الى سِلمِ الحياةِ وسلامتِها، ويُنقِذُ البلادَ وأهلَها من الانحطاطِ الطّاغي، ومن البكاءِ أسَفًا أمامَ خطرِ المصير.
لسنا ننكرُ أنّ طرحَ ميشال شيحا شكَّلَ اللحظةَ التأسيسيةَ لنقلةٍ نوعيّةٍ، عندَنا، من تَبَعثُرِ الرُّؤى السياسيّة، والتَّواجُهِ بين أشكالِ الحكم، والتّصادمِ بين التَغَرُّبِ والتَعَرُّب، الى تحديدِ أصولٍ لسِفرِ تكوينِ وطنٍ يستمرُّ في الزّمن، وهي أصولٌ موضوعيّةٌ وازنة، ينبغي العودةُ الى العملِ بمقتضاها ضمنَ ظواهرِ السياسةِ، والاجتماع، والاقتصاد، وطلّةِ لبنان على الخارجِ بكيانٍ منفتحٍ على الشّرقِ والغرب، ومستقِلٍّ عنهما.
لقد انطلقَ ميشال شيحا، في طرحِهِ الدّستوريّ الشّامل، من أنّ لبنان منفَتِحٌ في موقعٍ استراتيجيّ هو ملتقى الحضارات، ومَحَطُّ اهتمامِ العالَم، وهنا، يكمنُ الخطرُ منه والخطرُ عليه. بالإضافة الى أنّ الواقعَ الرّاهنَ، عندَنا، تتقاذفُهُ رهاناتٌ إيديولوجيّة وإثنيّة مزَّقَت البلاد، لا سيّما وأنّ فريقًا اعتبرَ أنّ أسبابَ وجودِ لبنان، قد تجاوزتها الصّيرورةُ التاريخية، وكان هذا الوجود، بالتالي، خطًا في الجغرافيا والتاريخ… لذلك، فإنّ الدعوةَ للعودةِ الى ميشال شيحا، في وثيقتِهِ ” لبنان في شخصيتِه وحضوره”، هي دعوةٌ للتّصالحِ مع الوطن، وإعادةِ الانسجام بين مكوِّناته، تأكيدًا على مفاهيمِ التّساوي، والحقوق، والعدالة، والمواطنة، بعيدًا عن منطقِ الأكثريّة والأقليّة، واعتبارِ قسمٍ من اللبنانيّين مجرَّدَ رعايا أو أَتباع.
إنّ العودةَ الى ميشال شيحا تعني ترسيخَ إيديولوجيّة العلاقة بين الوطن والمواطن، من التَّكليفِ الى الحقّ، وصيانةَ الحريّة، وكرامةَ الوجود، وحفظَ سيادة البلاد وسلامة أرضِها، واحترامَ الدّستور والقوانين… ربَّما تكونُ حلًّا ينشلُنا مِمّا نتخبّطُ فيه، إذا التزَمنا بدعوة ميشال شيحا لنكون، كلّنا، منحازين الى لبنان.
إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير