من هاوية #الدويلة إلى صخرة #الدولة

الافتتاحية بقلم مدير التحرير د. ميشال الشّمّاعي
@DrMichelCHAMMAI

لا يختلف لبنانيّان بعد كلّ ما نمرّ به بأنّنا في عمق أزمة وجوديّة. إمّا أن نكون وإمّا لن نكون بالمطلق. ولقد كشفت تجارب التّاريخ أنّ المقاومة النّاجحة هي تلك التي تحمل لواء الوطن كلّه وتكون مقاومة لبنانيّة. ترفض الارتباطات الخارجيّة، وتعرف كيف تستفيد من العلاقات لتستطيع أن تؤمّن استمراريّة عملها. أمّا تلك التي تحمل أجندات خاجيّة ومكنّيّات دينيّة على حساب كرامة الوطن فهي حتمًا ستسقط في تجارب التّاريخ. وسقطت حتمًا.

الفرصة الأخيرة

وأمام الفرصة الأخيرة للوصول إلى تسوية دوليّة، وبعد نجاح لبنان الدّولة باستعادة سيادته الديبلوماسيّة من حشرجة الشعارات الإيديولوجيّة البائدة، بدأ الوطن بالانتقال من هاوية الدويلة إلى صخرة الدّولة. وها هو يقف مرّة أخرى عند تخوم الاختبار: هل يكون وطنًا سيّدًا باكتمال سيادته؟ أم يبقى ساحةً تُستعاد كلّما قرّرت الأيديولوجيات العابرة أن تخوض حروبها على أرضه؟

خرائط النّفوذ تترتّب. من بيروت إلى واشنطن مرورًا بطهران على وقع حرب لتثبيت ممرّات الطاقة، تمهيدًا للوصول إلى زمن حكم الشّركات الاستثماريّة. وهذا ما يثبّت أنّ المسار التفاوضي المرتقب هذا الأسبوع لن يكون تفصيلًا ديبلوماسيًّا قد يبحث في خرائط الطريق وحسب، بل من المتوقّع بحسب المصادر أن يبحث في المسارات التي من المفترض أن تسلكها هذه المفاوضات. ماذا وإلّا سيكون الرئيس الأميركي مرتاحًا كثيرًا للمسارات الأخرى. وهذا ما عبّر عنه الرئيس ترامب على منصّته الخاصّة بمقطع من أغنية My Way.

زمن الحديث باسم لبنان بعيدًا من سيادته سقط

احتمال تحديد موعد زيارة واشنطن للرئاسة اللبنانيّة يقترب. بعدما حسم فخامة الرئيس أمره وقال كلمته ومشى. ولا زالت ارتدادات هذه الكلمة الزلزاليّة تتردّد تهديدات تطال حياته الشخصيّة بعدما وصلت وقاحة بعض قيادات منظّمة حزب الله بتهديده بمصير الرئيس السادات أو بونابرت. إنّ لبنان الذي عرف ثمن الاغتيالات لا يمكن أن يقبل بعودة لغة الدّويلة، التي أدانت نفسها بنفسها مثبّتة بتهديداتها هذه كلّ تهم الماضي.فالدولة لا تُبنى تحت تهديد الرصاص، ولا تُدار بمنطق الفتوى السياسية.

بينما فخامته يحاول بكلّ ما أوتي من قوّة أن يوقف الحرب التي تسبّب مهدّدوه في وقوعها. أو على الأقل من المرجّح أـنّه سيسعى لتمديد وقف إطلاق النّار لعشرين يومً إضافيّ. ويبقى أنّ هءلاء المهدّدين لا زالوا مصرّين على الحفاظ على ما اعتبروه إنجازًا أي الاستبقاء على لبنان منصّة لترهيبهم الذي انقلب دمارًا علىت ما اعتبره الرئيس برّي في إحدى جلساته إنجازًا له أخذ من جهده وتعبه أكثر من أربعين سنة ليقوم هؤلاء بتدميره كلّيًّا، غير مدركين أنّ الأمم التي تعيش على حافة الحرب لا تصنع مستقبلاً، بل تنتظر كارثة جديدة.

العودة برايات الخيبة ودمع النّدامة

بدا لافتًا في نهاية هذا الأسبوع محاولة عودة بعض اللبنانيين الجنوبيين إلى قراهم، تحت مراقبة مشدّدة من قبل منظّمة حزب الله، بدأت بتنظيم الرايات الإيرانيّة التي رُفعت، بدلا من رفع العلم اللبناني. فاستطاع بعض هؤلاء أن يرى أرضه لكنّه لم يجد لعودته أيّ معنى بعدما منعوا من تجاوز الخطّ الأصفر الجديد الذي يمتدّ من ساحل البياضة مرورًا بمزارع شبعا وحتى جبل الشيخ. فذهولهم لم يكن أمام هول الدّمار وعدم قدرتهم على لملمة الجراح أو حتّى بعض الجثث التي ما زالت على طرقاتهم، بل ذهولهم كان باكتشافهم الحقيقة المرّة وهي أنّ أوطانًا كثيرة بنيت على حسابهم، وما قد يُبنى منها قد يكون على حساب وجودهم في لبنان.

فالجنوب المكلوم ما عاد بحاجة إلى الشعارات الإيديولوجيّة التي قتلت أبناءه، بل هو بحاجة إلى عودة صخرة الدّولة ليبنوا عليها بيوتًا لا تجرفها الإيديولوجيّات التي بنت لهم أحلامًا على الرّمال. وجعلت منهم وقودًا سريع الإشتعال لمعارك الآخرين في مشروع استنزاف تحت مسميات التحرير الذي لم يأتِ يومًا. وبات من المؤكّد أنّه لن يأتِ هكذا بل سيكون عندما تعود صخرة الدّولة.

بين التسويات أو الصدمات، يترنّح العالم هذا الأسبوع. وحده لبنان الثابت الوحيد لأنّه نجح باستعادة سيادته التفاوضيّة. وهذا ما يؤكّد على مسار استكمال بناء الدّولة في نبذ لغة المغامرة واعتماد لغة العقل. لبنان واقف على تقاطع مصالح الدّول الفاعلة، واختياره هذه المرّة لن يكون ترفًا آنيًّا، بل سيكون مشروعًا وجوديًّا في نظام سياسيٍّ اتّحاديٍّ – حياديٍّ يؤمّن له سيرورة البقاء في صيرورة الشرق الأوسط الجديد.

 

 

إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير
اخترنا لك