إستسلام يؤجّل مشروع التمدّد ويبحث في المخرَج المشرّف

الافتتاحية بقلم د. ميشال الشمّاعي – خاص بوابة بيروت

يشهد العالم عمليّة انكفاء استسلامي مغلّف بغلاف التحوّل الطّوعي نتيجة لتفوّق ميزان القوى الأميركي. وعدا ذلك يبقى كلّ ما سيصدر في إطار السرديّات الماورائيّة التي عهدناها من هذا العقل المحنّط في غياهب التّاريخ الذي سينتقل إلى إدارة فداحة خسارته أمام تكنولوجيا العم سام.

قرار المناورة التفاوضية بلا قرار حتى الساعة

لقد حسم الرئيس الأميركي قراره معلنًا موعد التوقيع. فيما الوقائع ستدحض كلّ سرديّات الصمود والتصدّي. لقد انتقلنا عمليًّا إلى المرحلة النّهائيّة وأقفلت كلّ الأبواب أمام النقاشات المبدئيّة. ستشرق شمس تبريز الجذور القومية والثقافية والاحتجاجية، وستطفأ شمس طهران السلطة المركزية والدولة الأيديولوجية الحديثة.

قد يبدو من المبكر الحديث عن شمس تبريزيّ جديد وسط هذه المعارك الطهرانيّة التي هلكت الإنسان الفارسي وردمته في حفر التاريخ. لكن ممّا لا شكّ فيه أن شمس تبريز آتية لا محالة. فشروط الاستسلام المذلّ التي مهما حاولت طهران تبديل معالمها ستحتّم في الغد القريب ظهور شمس تبريز. ولا يبدو أنّ العالم سينتظر كثيرًا ليعايش هذه النّهضة البيضاء بعد سقوط هذا الوشاح الأسود. فيما يرفع بنيامين نتنياهو سقف الضغط معلنًا أنّ المعركة على إيران لم تنتهِ بعد.

إسرائيل تضغط… وتحوّل العلم الأصفر إلى حزام جديد

بدا لافتًا بعض ما نشر من فيديوهات للجيش الاسرائيلي الذي بات بفعل المقاومَة المفترَض محرِّرَة، بات محتلًا من جديد يسير على ردم ما بنته منظومة دولة الرئيس نبيه برّي في جنوب لبنان بآليّات غير مصفّحة. إن دلّ ذلك على شيء فهو يدلّ على سقوط الميدان بشكل كامل. وها هو يستمرّ بعمليّة “غزغزة” منطقة الحزام الأصفر ليجعل منها منطقة غير قابلة للحياة، حتّى سنين بعيدة من بعد انسحابه وتوقيعه اتّفاق سلام بشروطه. وهذا ما يعكس توجّهًا لتكريس وقائع ميدانية تسبق أي تسوية سياسية في موازاة الانطلاقة الثانية للمسار التفاوضي.

لبنان بين فرصة الخروج ومخاطر العرقلة

على وقع استعداد مؤكّد لفخامة رئيس الجمهوريّة لزيارة واشنطن للبحث في تفاصيل ما قد يرشح عن الجولة الثانية بين سفيرة لبنان وسفير إسرائيل يوم الخميس المقبل. وعلى ما يبدو أنّ فخامة الرئيس قد نجح بانتزاع الوعد الأميركي لإطالة وقف غطلاق النّار لعشرة أيّام إضافيّة، وهذا ما سيعطي جرعة إضافيّة من الأوكسيجين الديبلوماسي للمسار التفاوضي. فيما حزب الله لا زال يرفع سقوف تهديداته رافضًا هذا الواقع الذي استجلبه لنفسه بنفسه.

وهذا ما يكشف زيف ادّعاءات أتحفنا بها طوال عقود أربعة بأنّه ضنين على مصلحة لبنان وشعبه. فيما القاصي والدّاني يعرف أنّ عرقلة مسار الدّولة سيعرقنها. ولعلّ هذا ما قد يريح منظّمة حزب الله. لكن لا أعتقد أنّ المسار الدّولي الكبير سيسمح للصّغار بأن يعرقلوا طريق السلام.

مفتاح التحوّل في حلّ أزمة الدّاخل

في هذا السياق، أعاد رئيس حزب القوّات اللبنانيّة سمير جعجع تصويب النّقاش نحو عمق الأزمة اللبنانيّة القائم بقراءته بين دولة باتت قادرة على التفاوض، لكنّها عاجزة عن الحكم، ودويلة تحكم ولا زال قرار الحرب حتّى الساعة أقلّه بيدها. وتبقى نظرة جعجع الموضوعيّة في إصراره على أنّ مفتاح التحوّل في الأزمة اللبنانيّة يكمن في الأبواب التي أوصدت من قبل منظمة حزب الله وأدّت إلى عجز الدّولة والعهد الجديد على فكّ مبدأ التشارك السيادي. وهذا الشرط إن تحقّق كفيل بفتح أبواب الدّعم من المجتمعين العربي والدّولي.

أمام هذه اللحظة الإقليمية المفصلية في منطقة ترسَمُ توازناتها على قاعدة الاستثمار الحديث، تمهيدًا للانتقال من حكم مركزيّ ساقط ” أبريوريًّا” إلى حكم لامركزي سيكون على قاعدة حكم الشركات في الشراكات. ولبنان أرض خصبة للتحوّل الاتّحادي – الحيادي إذا نجح بالخروج من صراع الساحات إلى تصارع الشراكات وتنافس الشركات. ماذا وإلّا أيّ اتّفاق خارجي سيكون خارج حدود االـ10452 كم² ما لم تعد الدّولة دولة.

إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير
اخترنا لك