
كاتب ومحلل سياسي
بقلم ميراز الجندي – خاص بوابة بيروت
ليست الإشارات الإيجابية التي يطلقها الرئيس السوري أحمد الشرع تجاه لبنان مجرد “تحية دبلوماسية” عابرة، بل هي في جوهرها إعلان عن انتهاء حقبة وبدء أخرى. فبينما يغرق البعض في قراءة “لطافة” التصريحات، تبرز الحقيقة العارية: العلاقة بين بيروت ودمشق تقف اليوم أمام مقصلة “الواقعية السياسية” “Realpolitik”، حيث لا مكان للعواطف التاريخية المستهلكة، بل للمصالح التي تُنتزع انتزاعاً في عالم لا يعترف إلا بالأقوياء والمنظمين.
أولاً: سيكولوجية العلاقة.. من “التبعية” إلى “الاختناق”
المعضلة التاريخية في العلاقة بين البلدين لم تكن يوماً في غياب “الود” أو “الأخوة”، بل في غياب “الدولة” بمفهومها المؤسساتي.
لقد أديرت الملفات المشتركة لعقود بعقلية “اللجنة الأمنية” أو “الوساطة الحزبية” والمقايضات العابرة للحدود، مما أدى إلى تحويل هذه الحدود من جسور تواصل إلى “ثقوب سوداء” تبتلع اقتصاد البلدين وتستنزف سيادتهما.
اليوم، يواجه “العهد السوري الجديد” في دمشق واقعاً لبنانياً متغيراً ومستنزفاً، ويواجه لبنان واقعاً سورياً يبحث عن تموضع جديد في الخارطة الدولية والاقتصادية. لم يعد السؤال الكلاسيكي: “متى نلتقي؟”، بل السؤال الوجودي: “على ماذا نتفق؟”. إن استمرار إدارة ملفات كبرى كالنزوح، والعمالة، والتهريب بمنطق “غض الطرف” أو “المناورة السياسية” هو وصفة طبية لانتحار مشترك، لا سيما في ظل التحولات الكبرى التي تشهدها المنطقة.
ثانياً: “دبلوماسية المصالح”.. القفز فوق الألغام
المطلوب اليوم ليس “عناقاً سياسياً” في الصور البروتوكولية، بل “تطبيع وظيفي” جريء يفكك الألغام العالقة التي عجزت عنها العهود السابقة:
السيادة الاقتصادية: لا يمكن لبيروت أن تتنفس اقتصادياً بينما معابرها غير الشرعية تشرع الأبواب لاستنزاف ما تبقى من قدرة شرائية ونزيف للعملة الصعبة. ضبط الحدود ليس مطلباً أمنياً فحسب، بل هو “فعل سيادة” يثبت أن في البلدين دولتين حقيقيتين، لا مجرد سلطات أمر واقع تدير الفوضى.
عقد العمل الاجتماعي: ملف الوجود السوري في لبنان يجب أن يخرج من زواريب التحريض العنصري أو الاستغلال السياسي، ليدخل في كنف “مأسسة العمالة”. نحتاج إلى أطر قانونية تحمي العامل من الاستغلال، وتصون سوق العمل اللبناني من التخبط، ضمن إطار شفاف ينهي زمن “العشوائية المنظمة”.
الترانزيت الحيوي: إن تعطيل شريان العبور التجاري هو خطيئة جيوسياسية دفع ثمنها المزارع والتاجر في كلا البلدين. تحويل الجغرافيا من “عقوبة” إلى “ميزة” يتطلب القفز فوق الحسابات الضيقة لصالح تكامل اقتصادي عقلاني.
ثالثاً: الندية.. هي الحل لا المشكلة
البعض يخشى من كلمة “الندية” وكأنها دعوة للقطيعة، بينما هي في الواقع حجر الزاوية لأي استقرار مستقبلي مستدام. إن بناء علاقة قائمة على قاعدة “لا تبعية في السياسة، ولا استقواء بالخارج” هو الضمانة الوحيدة لعدم تكرار مآسي التدخلات المتبادلة.
لبنان ليس “ساحة” لتصفية الحسابات أو بريداً للرسائل الإقليمية، وسوريا ليست “شماعة” نعلق عليها فشل المؤسسات اللبنانية في ضبط الذات. العلاقة الصحية هي التي تنطلق من اعتراف متبادل بالمصالح القومية لكل طرف، دون القفز فوق جراح التاريخ أو تجاهل هواجس الحاضر الأمنية والسياسية.
عقل الدولة في مواجهة عقل “اللحظة”
إن “دبلوماسية المصالح” التي تلوح في الأفق إما أن تكون مساراً مؤسساتياً صلباً يعيد الاعتبار لمفهوم “الدولة”، أو ستظل مجرد “هدنة لغوية” في صراع طويل مع الواقع المرير.
التحدي الحقيقي أمام أحمد الشرع والقوى السياسية اللبنانية اليوم ليس في إجادة “فن التصريح” أو تسويق الوعود، بل في امتلاك “إرادة التنفيذ”.
فالشعوب التي أنهكتها الأزمات لم تعد تصفق للخطابات الرنانة، بل تبحث عن رغيف الخبز، وأمن الحدود، وكرامة القانون. فهل نجرؤ فعلاً على الانتقال من “زمن الأخوة الهشة” إلى “زمن المصالح الصلبة والندية الحقيقية”؟
إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير