هل حان وقت إعادة بناء الدولة؟

خاص بوابة بيروت

مرةً جديدة، تثبت بيروت أنها ليست مدينة عابرة في جغرافيا الأزمات، بل عاصمة قادرة على النهوض من تحت الركام. تثبت أن وحدة أهلها ليست شعارًا، بل قوة فعلية تتجسد كلما حاولت أي جهة التآمر عليها أو إخضاعها.

بعد قضية نبيل قزاز ، تعود قضية أبو علي عيتاني لتؤكد أن المزاج البيروتي تغيّر. لم يعد السكوت خيارًا، ولم تعد التجاوزات تمرّ بلا مواجهة. وقف أهل بيروت صفًا واحدًا في وجه تعدٍ صادر عن جهازٍ لطالما ارتبط بمنظومة عميقة نخرت مؤسسات الدولة، واستباحت مراكز القرار، حتى بات السلاح أداة متنقلة تُستخدم لفرض النفوذ وتحويله إلى سلطة أمر واقع.

اليوم، نحن أمام لحظة مفصلية. إعادة فتح ملفات أساسية، وفي مقدمتها ملف انفجار المرفأ، وعودته إلى يد القاضي طارق بيطار، قبل تقاعد القاضي غسان حجار، يشكّل إشارة واضحة إلى أن ميزان القوى بدأ يتبدل. خصوصًا بعد المرحلة التي شهدت محاولات واضحة من القاضي غسان عويدات لتعطيل المسار القضائي، في ظل ضغوط منظومة الدولة العميقة.

هذه المنظومة، التي ترعرعت على إرث النظام السوري بقيادة بشار الأسد، وتوسّعت خلال عهود إميل لحود وميشال عون، تبدو اليوم في مرحلة انكفاء تدريجي. ومع وصول جوزيف عون إلى سدة الرئاسة، وتكليف نواف سلام برئاسة الحكومة، بدأت ملامح مرحلة جديدة تتشكل مرحلة عنوانها استعادة الدولة من قبضة من صادرها لعقود.

بيروت، في هذا التحول، لم تعد نقطة ضعف كما أُريد لها. بل تحوّلت إلى مركز ثقل ورافعة للتغيير. وحدة أبنائها، واستعادة ثقتهم بأنفسهم وبمؤسساتهم، جعلت منها قوة قادرة على لجم أي محاولة للهيمنة أو الترهيب.

قد تبدو قضيتي أبو علي عيتاني ونبيل قزاز صغيرتين في ظاهرهما، لكنهما في العمق تعكسان تحوّلًا كبيرًا، عودة الإيمان بأن العدالة ممكنة، إذا وُجد القضاة النزيهون. وأن الإدارة السليمة قادرة، ليس فقط على وقف الانهيار، بل على قلب المعادلة وتغيير مسار الأحداث.

ما نشهده ليس تفصيلًا عابرًا، بل بداية صراع حاسم بين مشروعين، مشروع الدولة، ومشروع الدويلة. بين من يريد مؤسسات فاعلة تحكمها القوانين، ومن يتمسك بفوضى السلاح والسمسرات للحفاظ على نفوذه.

إنها لحظة مفصلية بالفعل. زمن الفوضى الذي طال أمده بدأ يتصدع. وأسماء كانت تُعتبر فوق المساءلة، مثل وفيق صفا، لم تعد بمنأى عن التحولات الجارية.

قد لا يكون الطريق سهلًا، لكن المؤشرات واضحة: هناك إرادة تتشكل لإعادة بناء دولة القانون والمؤسسات. دولة تُنهي زمن الميليشيات، وتضع حدًا لاقتصاد الظل، وتعيد القرار إلى حيث يجب أن يكون، في يد الدولة وحدها.

السؤال لم يعد، هل يمكن التغيير؟
بل، هل بدأ فعلاً… ولن يتوقف؟

إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير
اخترنا لك