في “عيدهم”… عمال لبنان رهائن “عين التينة” : ١ أيار مأتمُ الإنتاج في “جمهورية السمسرة”

خاص بوابة بيروت

يطلّ الأوّل من أيار على لبنان هذا العام، لا كعيدٍ للعمل، بل كمرآةٍ مكسورة تعكس انهيار منظومةٍ كاملة صادرت العامل وقراره معًا. في الدول التي تحترم إنسانها، يُشكّل هذا اليوم محطةً لتجديد العقد الاجتماعي بين الدولة والطبقة المنتجة، أمّا في لبنان فقد تحوّل إلى “تذكيرٍ قاسٍ” بأن العقد قد نُسف، وأن العامل لم يعد شريكًا في بناء الوطن، بل أصبح “رهينة” في زنزانة منظومةٍ تتقن هندسة الفقر وإدارة العوز.

“النقابة المخطوفة”، كيف طُبخت “البرّية” لاحتواء الشارع؟

ما جرى للحركة النقابية في لبنان لم يكن تراجعًا عفويًا، بل كان “اجتياحًا منظّمًا”. منذ التسعينيات، جرى احتواء النقابات وإعادة تفكيكها وتركيبها داخل بنية السلطة، لتفقد استقلالها وتتحوّل إلى “ملاحق إدارية” تابعة لمراكز القرار، وفي مقدمتها “عين التينة”.

تحوّل “الاتحاد العمالي العام” من رأس حربةٍ في الدفاع عن الحقوق إلى “واجهةٍ” لإدارة الولاءات وتبريد الشارع عند اللزوم.

القيادات اليوم لا تُفرز من رحم المعاناة والقواعد العمالية، بل تُصاغ داخل “مطابخ المحاصصة”، والنتيجة عاملٌ بلا ظهر، ونقابةٌ بلا قرار، واتحادٌ يأتمر بإشارة “الزعيم”.

7 أيار 2008، حين صار “الخبز” غطاءً للانقلاب

في الأنظمة الطبيعية، تُستخدم الإضرابات لفرض الحقوق، أمّا في لبنان فقد قُلبت المعادلة ليُفتح الشارع باسم العمال ويُستخدم أداةً في الصراع الأمني.

التاريخ لا يرحم، ستبقى عشية 7 أيار 2008 شاهدًا على الخلل البنيوي، حين دعا الاتحاد العمالي إلى إضرابٍ معيشي، ليتحوّل الشارع في ساعاتٍ من “مطالب الخبز” إلى “ساحة اشتباك وميليشيات”.

كشفت تلك اللحظة أن النقابة في لبنان ليست إلا “ورقة توت” يُراد منها تغطية معارك النفوذ والسلاح، وحين يُزج بالعامل في صراع الأجندات، تسقط قدسية التحرك وتسقط معها هيبة العمل النقابي.

وزارة العمل، “الشريك الصامت” في إدارة الانهيار

أمام هذا الانحراف، تمارس وزارة العمل “حيادًا ملتبسًا” يرقى إلى مستوى الشراكة المقنّعة. لا تحديث للتشريعات، لا حماية للضمان الاجتماعي المنهوب، ولا رقابة على غول التضخم الذي افترس الأجور.

هذا الواقع ليس مجرد “فشلٍ إداري”، بل إدارةٌ مقصودة للأزمة. المنظومة المستفيدة من اقتصاد الريع والسمسرة لا تريد عاملًا محميًا بالقانون، بل تريده “مواطنًا مستضعفًا” يطرق باب الزعيم طلبًا للمساعدة، لتكريس نظام “الخوّات” والتبعية.

اقتصاد “الولاء أو الهجرة”، الكفاءة في مهبّ الريح

في لبنان، الكفاءة لا تكفي والإنتاج لا يُكافأ. حوّلت المنظومة العمل من “قيمة” إلى “استثناء”، وأصبحت الوظيفة تُوزّع وفق صكوك الولاء الحزبي. البطالة هنا ليست مؤشرًا اقتصاديًا، بل “سياسة تهجيرٍ ممنهجة” تدفع بالشباب إلى الخارج، ليبقى الداخل ساحةً فارغة لأزلام السلطة وأدواتها النقابية.

الخلاصة، لا عيد قبل “تحرير” النقابة

لا معنى لأي خطابٍ احتفالي في الأوّل من أيار ما دام القرار العمالي مرتهنًا. المعركة اليوم لم تعد مطلبيةً فحسب، بل معركةٌ سيادية داخلية بامتياز:

  • تحرير العمل النقابي من مخالب السلطة ومنطق المحاصصة.
  • إعادة بناء اتحاداتٍ مستقلة تمثل وجع الناس لا أوامر المكاتب السياسية.
  • الانتقال من اقتصاد السمسرة إلى اقتصاد الإنتاج الحقيقي.

العمّال هم بناة الأوطان، لكن في لبنان، الأوّل من أيار هو موعدٌ مفتوح للمواجهة، حتى تتحرر السواعد من قبضة منظومةٍ أتقنت المتاجرة بتعب الناس، وصادرت “العيد” لتؤبّد “الانهيار”.

إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير
اخترنا لك