من #التحرير إلى #الوصاية : كيف ضاعت فرصة الدولة بعد عام 2000؟

بقلم ماهر أبو شقرا – خاص بوابة بيروت

@MShackra

في 25 أيّار من العام 2000، انسحب “جيش العدو الإسرائيلي” من الشريط الحدودي الذي كان يحتلّه في جنوب لبنان. جاء هذا الانسحاب نتيجةً مباشرةً لضغوطٍ شعبيّةٍ إسرائيليّة بسبب الخسائر الفادحة التي كبّدتها المقاومة الوطنيّة، ولاحقًا الإسلاميّة، للجيش الإسرائيلي في جنوب لبنان، إضافةً إلى ضغوطٍ دبلوماسيّةٍ عربيّةٍ وغربيّةٍ على “إسرائيل” لتطبيق القرار 425 القاضي بانسحاب جيشها من لبنان. وفي صيف العام 1999، قطع إيهود باراك وعدًا للإسرائيليّين بالانسحاب من لبنان خلال عامٍ في حال فوزه في الانتخابات الإسرائيليّة، وهكذا كان.

كانت أمام لبنان فرصةٌ تاريخيّةٌ للبناء على إنجاز التحرير، عبر تفعيل اتّفاقيّة الهدنة الموقّعة بين لبنان و”إسرائيل” عام 1949، وتسليم “حزب الله” لسلاحه أسوةً بباقي الميليشيات التي سلّمت سلاحها بعد توقيع اتفاق الطائف، وانسحاب الجيش السوري من لبنان. غير أنّ النظام السوري والنظام الإيراني كان لهما رأيٌ آخر.

جرى تحويل النزاع الحدودي بين لبنان وسوريا حول مزارع شبعا وتلال كفرشوبا إلى ملفّ احتلالٍ إسرائيلي يحتاج إلى تحريرٍ بقوّة السلاح. وبذلك تمّ تبرير بقاء الجيش السوري في لبنان، كما جرى تبرير احتفاظ “حزب الله” بسلاحه. وهكذا تكرّس الجيش السوري كقوّة وصاية داخل لبنان، فيما تحوّل “حزب الله” من مقاومةٍ إسلاميّةٍ قاتلت “إسرائيل” وتعاطف معها جزءٌ واسعٌ من اللبنانيّين، رغم التناقض الأيديولوجي الكبير معها، إلى فصيلٍ مرتبطٍ بالحرس الثوري الإيراني، يستخدم الأرض اللبنانيّة قاعدةً متقدّمةً للمشروع الإيراني، ويستخدم المجتمع اللبناني وقودًا لصراعات النظام الإيراني الإقليميّة.

منذ 25 أيّار 2000، لم يعد “حزب الله”، بالنسبة إلى خصومه، مجرّد مقاومة، بل تحوّل إلى قوّةٍ مسلّحةٍ تسعى إلى الاحتفاظ بالسلاح وترهيب المجتمع وإخضاع الدولة، وصولًا إلى تكريس نفسها قوّةً عسكريّةً رديفةً للجيش بشكلٍ رسميٍّ ودائم، على غرار الحرس الثوري الإيراني في إيران أو “الحشد الشعبي” في العراق.

قلّما تنتفع البلدان الصغيرة من الانخراط في صراعات الدول الكبرى. وقد تمادى “حزب الله” في دوره الإقليمي، فدخل في أتون الصراعات الإقليميّة وأدخل معه لبنان. فكانت النتيجة، بحسب هذا الطرح، التفريط بإنجاز التحرير، وإعادة تكوين منطقةٍ حدوديّةٍ متوتّرة، وعودة لبنان إلى الكفاح في سبيل تطبيق القرار 425.

وحين احتكر “حزب الله” إنجاز التحرير، على الرغم من الجهود القتاليّة والدبلوماسيّة التي بذلتها أطرافٌ لبنانيّةٌ مختلفة، لم يواجه اعتراضًا فعليًّا. وحين اعتدى، وفق منتقديه، على ثقافة وتراث جبل عامل، تغاضى كثيرٌ من اللبنانيّين وهم يشاهدون تراثهم الوطني يُهمَّش، وثقافتهم تُنتَهك ويُعمل على استبدالها بثقافةٍ أخرى. وقد حصل ذلك، لأنّ شريحةً واسعة شعرت بأنّها مدينةٌ لمن قاتل وحرّر.

لقد استنفد “حزب الله”، بحسب هذا الرأي، جميع الفرص التي أُعطيت له، وأساء استخدامها، ولم يعد هناك مجالٌ لمنحه فرصًا إضافيّة. وأهل جبل عامل مدعوّون اليوم، وفق هذا الطرح، إلى الالتفاف حول خيار الدولة لاستعادة كامل الأرض، وضمان عودة المهجّرين، وتأمين إعادة إعمار وإنماء المناطق المنكوبة. كما أنّهم مدعوّون إلى الدفاع عن كرامتهم الإنسانيّة والوطنيّة، والانتصار لتراثهم الغنيّ والعريق وثقافتهم المحليّة التي يفتخر بها لبنان بأكمله.

إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير
اخترنا لك