“المبادرة الوطنية من أجل #العدالة”… صرخة #لبنانية لاستعادة الدولة وكسر زمن #الوصاية و #السلاح خارج الشرعية

بقلم د. عبد العزيز طارقجي / الأرجنتين – خاص بوابة بيروت

@dr_tarakji

في لحظةٍ يواجه فيها لبنان أخطر أزماته السياسية والسيادية، برزت “المبادرة الوطنية من أجل العدالة” كمشروعٍ وطني يرفع شعار استعادة الدولة والهوية اللبنانية الجامعة، ويدعو إلى ترسيخ العدالة والسيادة ومحاسبة كل من ساهم في تحويل لبنان إلى ساحةٍ للصراعات الإقليمية والارتهانات الخارجية.

بيروت تُطلق مشروع مواجهةٍ سياسية وقانونية

لم يكن المؤتمر الذي عُقد في نادي الصحافة اللبنانية في بيروت مجرّد لقاءٍ سياسي تقليدي أو مناسبة إعلامية عابرة، بل حمل أبعادًا تتجاوز الداخل اللبناني إلى المشهد العربي والإقليمي بأكمله.

فإطلاق “المبادرة الوطنية من أجل العدالة” جاء في توقيتٍ بالغ الحساسية، حيث يعيش لبنان انهيارًا سياسيًا واقتصاديًا ومؤسساتيًا غير مسبوق، وسط تنامي شعور اللبنانيين بأن دولتهم فقدت جزءًا كبيرًا من قرارها السيادي لصالح مشاريع النفوذ الخارجي والسلاح الخارج عن مؤسسات الشرعية.

ومن هنا، جاءت المبادرة لتعيد طرح مفهوم الدولة اللبنانية ككيانٍ مستقل لا كمنصةٍ لحروب الآخرين، وكوطنٍ يجب أن تكون فيه الكلمة العليا للدستور والقانون والمؤسسات الشرعية وحدها.

العدالة ليست شعارًا بل مشروع إنقاذ وطني

أهمية المبادرة تكمن في أنها لم تكتفِ بإطلاق شعارات سياسية عامة، بل حاولت تقديم رؤية تعتبر أن العدالة ليست مطلبًا قضائيًا فحسب، وإنما مدخلٌ أساسي لإنقاذ لبنان وإعادة بناء الدولة.

فالدول لا تستقر بوجود الميليشيات أو تعدد مراكز القرار، ولا يمكن لأي اقتصاد أو قضاء أو حياة سياسية أن تنهض في ظل واقعٍ تتحكم فيه الولاءات العابرة للحدود على حساب الهوية الوطنية الجامعة.

ولهذا، ركّز البيان التأسيسي على مفاهيم السيادة ووحدة القرار الوطني واستعادة المؤسسات، باعتبارها الأساس الطبيعي لأي مشروع نهوض لبناني حقيقي، بعيدًا عن منطق الارتهان الإقليمي أو تحويل لبنان إلى صندوق بريدٍ للصراعات الدولية.

الرسالة الأخطر، لا دولة تحت سلطة السلاح الموازي

ربما تمثّل هذه النقطة جوهر المبادرة الحقيقي.

فالمبادرة حملت موقفًا واضحًا يعتبر أن استمرار وجود السلاح خارج إطار الدولة يشكل تهديدًا مباشرًا لفكرة لبنان نفسها، ولإمكانية بناء دولة طبيعية تمتلك قرار الحرب والسلم وتدير علاقاتها الخارجية وفق مصالحها الوطنية لا وفق أجندات المحاور الإقليمية.

وهذه الرسالة، رغم حساسيتها السياسية، تعبّر عن شريحة واسعة من اللبنانيين الذين باتوا يعتبرون أن أزمة لبنان لم تعد اقتصادية فقط، بل أزمة سيادة وقرار واحتكار للقوة الشرعية داخل الدولة.

البعد العربي للمبادرة… لبنان ليس معزولًا عن محيطه

ما يلفت الانتباه أيضًا أنّ المبادرة لا تنظر إلى الأزمة اللبنانية باعتبارها أزمة داخلية منفصلة عن محيطها، بل تربط بين استقرار لبنان واستقرار العالم العربي ككل.

فحين يتحول بلدٌ عربي إلى ساحة نفوذٍ إقليمي أو منصة صراع مفتوحة، فإن انعكاسات ذلك لا تتوقف عند حدوده الجغرافية.

ومن هنا، تبدو الدعوات التي أطلقتها المبادرة بشأن حماية الهوية العربية للبنان ورفض تحويله إلى أداة ضمن مشاريع خارجية، جزءًا من معركة أوسع تتعلق بحماية الأمن القومي العربي ومنع انهيار ما تبقى من مفهوم الدولة الوطنية في المنطقة.

المسار القانوني… نقل المواجهة إلى ساحات القضاء الدولي

أحد أبرز الجوانب التي أعطت المبادرة طابعًا مختلفًا هو إعلان التوجه نحو المسارات القضائية والقانونية الدولية، عبر الحديث عن إعداد ملفات تتعلق بالأضرار والانتهاكات والتدخلات التي طالت لبنان خلال العقود الماضية.

وهذه الخطوة تحمل أبعادًا تتجاوز السياسة والإعلام، لأنها تنقل المواجهة إلى إطارٍ قانوني يستند إلى مبادئ القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة والاتفاقيات المتعلقة بمكافحة الإرهاب وحماية الأمن والسلم الدوليين، بما يعني أن المعركة لم تعد فقط معركة خطاب سياسي، بل محاولة لبناء ملف حقوقي وقانوني طويل الأمد.

لماذا يجب دعم هذه المبادرة؟

لأن لبنان اليوم لا يحتاج إلى مزيدٍ من الاصطفافات الطائفية أو الانقسامات التقليدية، بل يحتاج إلى مشروع يعيد الاعتبار لفكرة الدولة نفسها. كما أن أي مبادرة تدعو إلى العدالة والسيادة واستقلال القضاء وحصر السلاح بيد الدولة، تمثل فرصة لإعادة فتح النقاش الوطني حول مستقبل لبنان وهويته ودوره الطبيعي.

دعم هذه المبادرة لا يعني بالضرورة الاتفاق مع كل تفاصيلها السياسية، لكنه يعني الدفاع عن حق اللبنانيين في أن تكون لديهم دولة فعلية، لا دولة معلّقة بين السلاح والوصاية والانهيار.

لبنان أمام لحظة تاريخية

لبنان اليوم ليس أمام أزمة عابرة يمكن تجاوزها بالمسكنات السياسية المعتادة، بل أمام لحظةٍ تاريخية تحدد ما إذا كان سيبقى دولة ذات سيادة ومؤسسات وهوية وطنية جامعة، أم يتحول نهائيًا إلى مساحة نفوذٍ مفتوحةٍ تتقاسمها المشاريع الخارجية.

وفي هذا السياق، تبدو “المبادرة الوطنية من أجل العدالة” محاولةً لإعادة فتح معركة الدولة والسيادة والقانون في وجه واقعٍ طويل من التعطيل والانهيار، ورسالةً تقول إن لبنان ما زال يملك أصواتًا تؤمن بأن الوطن لا يُبنى إلا بالعدالة، ولا يُحمى إلا بسيادة الدولة ووحدة قرارها الوطني.

كلمة أخيرة… لبنان يستحق أن يعود وطنًا لا ساحة نفوذ

إنّنا، كناشطين في مجال حقوق الإنسان، وأصحاب رأي وفكر، ومؤمنين بحق الشعوب في الحرية والسيادة والعدالة، نعلن دعمنا الكامل لـ“المبادرة الوطنية من أجل العدالة”، باعتبارها صوتًا وطنيًا شجاعًا يرفض الصمت أمام انهيار الدولة واختطاف القرار اللبناني وتحويل الوطن إلى ساحةٍ مفتوحة للهيمنة الخارجية.

إنّ لبنان الذي عرفه العرب والعالم لم يكن يومًا دولة تابعة أو منصةً لمشاريع الآخرين، بل كان وطن الفكر والثقافة والحرية والتعددية والسيادة. ولذلك، فإنّ استعادة لبنان الحقيقي تبدأ بعودة الدولة، وسقوط منطق الميليشيات، وإنهاء كل أشكال الارتهان والتبعية والهيمنة التي حوّلت اللبنانيين إلى رهائن للأزمات والحروب والصراعات الإقليمية.

ونحن نتطلع إلى اليوم الذي يعود فيه لبنان حرًا، عربي الهوية، مستقل القرار، خاليًا من النفوذ الإيراني ومن كل أشكال الوصاية الخارجية، دولةً تحكمها المؤسسات والقانون لا السلاح، ويعيش فيها اللبنانيون تحت راية وطنٍ واحد لا تحت ظلال المحاور والانقسامات.

فالشعوب قد تصبر طويلًا… لكنها لا تموت، والأوطان قد تُرهقها الأزمات… لكنها لا تسقط ما دام فيها من يؤمن بالعدالة والسيادة والكرامة الوطنية.

ولبنان، رغم كل الجراح، ما زال قادرًا على النهوض حين يجتمع أبناؤه حول مشروع الدولة لا مشروع النفوذ، وحول العدالة لا منطق القوة، وحول الوطن لا الولاءات العابرة للحدود.

إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير
اخترنا لك