عيدٌ… بأيِّ حالٍ عُدتَ يا عيدُ؟

الافتتاحية بقلم مدير التحرير د. ميشال الشمّاعي

@DRMICHElCHAMMAI

ليس اليوم يومَ فرحٍ حقيقيّ. إنّه عيدٌ يُفرض على اللبنانيين فرضًا، فيما البلاد لا تزال تحت الركام، والناس تحت وطأة الخوف والفقر والنزوح والانكسار. يسمّونه «عيد المقاومة والتحرير»، لكنّ السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح: أيُّ تحريرٍ هذا الذي انتهى بخراب الجنوب، وبتحويل عشرات القرى إلى مناطق منكوبة، وبجعل لبنان كلّه ساحةً مفتوحة للحروب والتفاوض؟

مقاومة… أم تكريسٌ للاحتلال؟

في كلّ الشرائع الدولية، تُعرَّف المقاومة بأنّها فعلُ تحريرٍ للأرض من الاحتلال. أمّا عندنا، فقد تحوّل المفهوم إلى شيءٍ من السوريالية السياسية؛ مقاومةٌ تُقدِّم الذرائع للحروب، وتفتح الأرض للاستباحة، ثم تطلب من الناس أن يحتفلوا بالنتائج الكارثية بوصفها «انتصارًا».

عن جدّ اللي استحوا ماتوا

أكثر من ستّين قرية جنوبية تعرّضت لتدمير واسع أو شبه كامل إلى حدّ الاقتلاع الجغرافيّ، وآلاف المنازل سُوِّيت بالأرض، فيما تجاوز عدد الضحايا والجرحى الآلاف، ووصل عدد النازحين إلى ما يفوق المليون ومئتي ألف لبناني في ذروة الحرب الأخيرة. أمّا الاقتصاد اللبناني، الذي كان أصلًا على حافة الانهيار، فقد تلقّى ضربةً إضافية قد تحتاج سنوات طويلة لمعالجتها.

ومع ذلك، لا يزال المطلوب من اللبنانيين أن يصفّقوا، وأن يقتنعوا بأنّ هذا كلّه يدخل في إطار «التحرير».

الدولة المغيّبة… والدولة الممنوعة

المأساة لا تكمن فقط في نتائج الحرب، بل في استمرار واقعٍ يجعل الدولة اللبنانية عاجزة عن ممارسة سيادتها الكاملة. فالسؤال الحقيقي اليوم ليس ما إذا كانت الحرب قد انتهت، بل ما إذا كان يُسمح أصلًا للدولة بأن تعود دولة.

لبنان يعيش منذ سنوات داخل معادلة قاتلة: قرار الحرب والسلم خارج مؤسسات الدولة، فيما تُترك الدولة لتحمّل النتائج المالية والسياسية والإنسانية. وهكذا تتحوّل الجمهورية إلى مجرّد ورقة تفاوض تُستخدم عند الحاجة الإقليمية، ثم تُرمى جانبًا عندما تنتهي الصفقات.

من التحرير إلى سوق التفاوض

أمّا «التحرير» الذي يُراد للبنانيين أن يحتفلوا به، فقد بات جزءًا من بازار إقليمي ودولي مفتوح. ومن يراقب مسار المفاوضات بين طهران وواشنطن يدرك سريعًا أنّ لبنان لم يعد سوى بندٍ تفاوضيّ يُستخدم لتحسين الشروط.

كلّ التسريبات الديبلوماسية الأخيرة توحي بأنّ الأولوية الإيرانية الفعلية ليست حماية لبنان، بل حماية النظام الإيراني نفسه. أمّا لبنان، فيبدو أنّه تُرك ليبقى ساحةً قابلة للاشتعال ساعة تشاء إسرائيل، ضمن توازناتٍ دولية وإقليمية باتت واضحة أكثر من أيّ وقت مضى.

وهنا تكمن المأساة الكبرى: الذين وعدوا الناس بالحماية والتحرير، ورفعوا لهم شعارًا: «نحمي ونبني»هم ذاتهم أوصلوا البلاد إلى لحظةٍ صار فيها اللبناني يشعر أنّ وطنه مكشوفٌ بالكامل، وأنّ مصيره يُناقَش في الغرف المغلقة من دون أن يكون له أيّ رأيٍ في ذلك.

الإنكار الكبير

ومرّةً جديدة، يُدفع اللبنانيون إلى العيش داخل حالة إنكار جماعي. يُراد لهم أن يحتفلوا فيما الأطفال يصرخون ليلًا من الجوع والخوف، وفيما آلاف العائلات لا تزال بلا منازل حقيقية، ولا تعرف كيف ستواجه الشتاء المقبل، ولا من سيؤمّن لها الغذاء والدواء والحدّ الأدنى من الكرامة الإنسانية.

أيُّ عيدٍ هذا، والناس لا تجد سقفًا يؤويها؟

أيُّ تحريرٍ هذا، والأمّ تخشى على أولادها من ليلةٍ جديدة من الرعب؟

وأيُّ مقاومةٍ تلك التي تجعل الإنسان أسير أيديولوجيا لا ترى في الوطن سوى ساحةٍ لخدمة مشاريع أكبر منه؟

صار الوقت

أما آن الأوان ليقال للبنانيين الحقيقة كما هي، بلا شعارات ولا تخدير سياسي؟

أما آن الأوان لينتفض الناس في وجه كلّ من صادر الدولة، واستعبد المجتمع بالخوف، وربط مصير الوطن بحسابات الخارج؟

هل يدرك هؤلاء أنهم سيكونون بلا بيت في الشتاء؟ هل يدرك هؤلاء أنهم لن يجدوا من يؤمن لهم الحصص الغذائية من الكفرة الذين هدوا دماءهم ذات يوم؟ هل يدرك هؤلاء أنهم يستحقون العيش أحرارًا من دون أن يكونوا اسرى بحكم ايديولوجيا أو نظام فكري لا يعرف للحرية طريقا؟

‏هل يدرك هؤلاء جميعهم أن الساعة دقت لينتفضوا بوجه من استعبدهم وقول الحقيقة عارية كما هي؟

أما َصار الوقت لذلك كله؟

فالأوطان لا تُبنى بالإنكار، ولا تقوم على تمجيد الخراب، ولا تُقاس كرامتها بعدد البيوت المهدّمة ولا بعدد القرى المحروقة.

وحدها الدولة تحمي وتبني. وحدها الحرية تصنع الأوطان. أمّا تحويل لبنان إلى ساحةٍ دائمة للحروب، فليس مقاومة… بل انتحارٌ بطيء لوطنٍ كامل.

إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير
اخترنا لك