النكبات الكبرى في التاريخ : البرامكة و”حزب الله”

بقلم الباحث إيلي الورد – خاص بوابة بيروت

@elie_ward

أرى شبهًا بين “نكبة البرامكة” في عهد هارون الرشيد وبين الضربات الكبيرة التي تعرّض لها “حزب الله” في مواجهته مع “إسرائيل”، خصوصًا عندما تتحوّل القوّة الصاعدة إلى مركز نفوذٍ واسعٍ يتجاوز حجمها التقليدي.

أوجه الشبه بين النكبتين

أولًا، تضخّم القوّة والنفوذ

البرامكة لم يسقطوا وهم ضعفاء، بل سقطوا عندما بلغ نفوذهم ذروته.
أصبحوا أصحاب المال والإدارة والهيبة والقرار، حتى بدا أنّ ظلّهم يكبر داخل الدولة العباسية.

وكذلك “حزب الله”، لم يصبح هدفًا مركزيًّا لـ”إسرائيل” إلا بعدما تحوّل إلى قوّة عسكرية وأمنية وسياسية وإقليمية مؤثرة، تمتلك حضورًا يتجاوز الداخل اللبناني.

في الحالتين، القوّة نفسها أصبحت سبب الخوف منهم.

ثانيًا، الخشية من “الشريك الذي كبر”

شعر هارون الرشيد أنّ البرامكة لم يعودوا مجرّد وزراء، بل مركز قوّة قادر على التأثير في الحكم وربما منافسته مع الزمن.

وترى “إسرائيل” في “حزب الله” ليس مجرّد تنظيمٍ حدودي، بل قوّة تمتلك قرار حرب وتأثيرًا إقليميًّا وقدراتٍ عسكرية متقدّمة، ما جعل فكرة “احتوائه” أو “إضعافه” هدفًا دائمًا.

أي إنّ النكبتين انطلقتا من هاجسٍ واحد:
الخوف من قوّةٍ لم تعد ضمن الحدود التقليدية.

ثالثًا، الضربة المفاجئة والقاسية

جاءت نكبة البرامكة فجأة، ففي ليلةٍ واحدة تبدّل المشهد: مصادرة أموال، إسقاط نفوذ، اعتقالات، وانهيار صورةٍ كانت تبدو راسخة.

وفي الحروب والضربات الإسرائيلية، يسعى “جيش العدو الإسرائيلي” دائمًا إلى إحداث صدمةٍ كبيرة عبر الاغتيالات أو التدمير أو ضرب البنية القيادية واللوجستية، لإظهار أنّ القوّة التي تبدو ثابتة يمكن أن تتعرّض لهزّةٍ عنيفة.

في الحالتين، هناك محاولةٌ لكسر الهيبة قبل كسر القوّة.

رابعًا، استهداف الشبكة لا الأفراد فقط

لم يواجه هارون الرشيد شخصًا واحدًا من البرامكة، بل ضرب شبكتهم كاملة: المال، النفوذ، العلاقات، الإدارة، والامتدادات داخل الدولة.

وكذلك “إسرائيل”، لا تنظر إلى “حزب الله” فقط كبنيةٍ عسكرية، بل تستهدف منظومته المالية والإعلامية واللوجستية والبشرية والسياسية.

فالهدف في الحالتين كان تفكيك المنظومة، لا مجرّد إضعاف الأشخاص.

خامسًا، الصدمة النفسية عند الناس

كان البرامكة رمزًا للقوّة والاستقرار والكرم والثقافة، لذلك شكّلت نكبتهم صدمةً كبرى للناس في العصر العباسي.

وكذلك، فإنّ أيّ ضربةٍ كبيرة يتعرّض لها “حزب الله” تترك أثرًا نفسيًّا وسياسيًّا واسعًا في بيئته وفي لبنان والمنطقة، لأنّ الناس تعتاد رؤية القوى الكبرى وكأنّها عصيّة على الاهتزاز.

سادسًا، بقاء الفكرة بعد الضربة

رغم سقوط البرامكة، بقي أثرهم في الإدارة والثقافة والتاريخ العباسي.

وكذلك، حتى عندما يتعرّض “حزب الله” لخسائر أو ضربات، يبقى تأثيره السياسي والاجتماعي والعقائدي قائمًا داخل شريحةٍ واسعة من المجتمع.

فالنكبة قد تُضعف القوّة، لكنها لا تمحو الأثر فورًا.

الفرق الجوهري

كانت نكبة البرامكة قرارًا داخليًّا من رأس السلطة ضد رجاله، أمّا ضرب “حزب الله” فهو صراعٌ خارجيٌّ مع “إسرائيل” ضمن نزاعٍ عسكري وإقليمي طويل.

لكنّ التشابه يبقى في الفكرة التاريخية الكبرى، كلُّ قوّةٍ تكبر كثيرًا، وتتمدّد في المال والإدارة والسلاح والثقافة، تصبح مع الوقت هدفًا لمحاولة كسرها أو الحدّ من نفوذها.

إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير
اخترنا لك