السيادةُ المُعلَّقةُ : قراءةٌ في دورِ دُوَيلةِ “حزبِ الله”

خاص بوابة بيروت

تتراكم في الخطاب السياسي اللبناني عناوين حادّة تختزل سنوات من الأزمات والصراعات، لكنّ الحكم الرصين على أي تنظيم لا يُبنى على الشعارات وحدها، بل على أثره الفعلي في حياة الناس ومؤسسات الدولة. في هذا السياق، يتقدّم اسم ميليشيا “حزب الله” إلى واجهة النقاش، بوصفها لاعبًا رئيسيًا في معادلة السلطة، وشريكًا في صناعة القرار، وفي الوقت نفسه طرفًا يملك قوة عسكرية خارج إطار الدولة، ما يضعها دائمًا في قلب الجدل حول السيادة والاستقرار.

ينظر منتقدو ميليشيا الحزب إلى تجربتها بوصفها نموذجًا لما يسمّونه “الدولة العميقة”، حيث تتداخل البنى الحزبية مع مفاصل الدولة، فتتراجع الشفافية وتُضعف آليات المحاسبة. هذا التداخل، في رأيهم، لم يُنتج مؤسسات أقوى، بل زاد من هشاشة الدولة، لأن القرار لم يعد يُصاغ داخل الأطر الدستورية وحدها، بل في مساحات موازية لا تخضع للرقابة نفسها. وهنا تتجسّد واحدة من أبرز الإشكاليات، كيف يمكن لدولة أن تستقيم إذا لم يكن السلاح والقرار الأمني والسياسي بيدها وحدها؟

لغة الخطاب السياسي لميليشيا الحزب وحلفائها كانت بدورها محل انتقاد واسع. كثيرون يرون أن حدّتها تجاه الخصوم، سواء من المسؤولين الرسميين أو من رجال الدين أو من القوى المعارضة، ساهمت في تعميق الانقسام الداخلي بدل احتوائه. فبدل أن يكون الاختلاف مدخلًا لحوار وطني، تحوّل في حالات كثيرة إلى تبادل اتهامات وتشكيك في النيات، ما انعكس توترًا دائمًا في الحياة السياسية، وأفقد الخطاب العام توازنه.

الأثر الاجتماعي لهذا الواقع لا يقل خطورة. فحين يشعر جزء من اللبنانيين أن القرار الوطني ليس نتاج توافق جامع، بل نتيجة ميزان قوة يميل لصالح طرف دون آخر، يتراجع الشعور بالإنتماء إلى دولة واحدة. ويزداد القلق عندما تُربط سياسات الداخل بتوازنات إقليمية، ما يجعل لبنان يبدو في نظر كثيرين ساحة لتصفية الحسابات، لا دولة مستقلة تسعى إلى حماية مصالح مواطنيها.

في المقابل، تواجه ميليشيا الحزب انتقادات متزايدة على المستوى الدولي، حيث تُطرح تساؤلات حول دورها في المنطقة، وحدود تدخلها خارج لبنان، وتأثير ذلك على علاقات البلاد مع محيطها العربي والدولي. هذه الصورة الخارجية، تنعكس مباشرة على الإقتصاد والاستثمارات والثقة الدولية، وهي عناصر حيوية لأي دولة تسعى إلى التعافي.

مع ذلك، لا يمكن اختزال المشهد بلون واحد. فداخل البيئة المنكوبة التي تدّعي الميليشيا تمثيلها، توجد شرائح واسعة ترى فيه قوة دفاعية، وترى في دوره امتدادًا لتجارب “مقاومة سابقة”. لكن التحدي الحقيقي يبقى في كيفية الإنتقال من منطق “القوة الخاصة” إلى منطق الدولة الجامعة، حيث تتساوى الحقوق والواجبات، ويكون السلاح خاضعًا لسلطة واحدة، والقرار نتاج مؤسسات لا أفراد.

لبنان اليوم أمام مفترق طرق واضح. الإستمرار في نموذج الازدواجية بين الدولة وما يوازيها، يعني مزيدًا من التآكل في المؤسسات، ومزيدًا من الانقسام في المجتمع. أما السير نحو دولة فعلية، فيتطلب إعادة الاعتبار للدستور، وتوحيد القرار الأمني والسياسي، وفتح الباب أمام شراكة وطنية لا تقوم على الغلبة بل على التوازن.

المسألة في جوهرها ليست صراعًا بين أطراف، بل صراع بين نموذجين، نموذج دولة حديثة تحكمها القوانين، ونموذج سلطة مركّبة تتقاطع فيها الولاءات. واللبنانيون، بعد كل ما مرّوا به، باتوا أكثر إدراكًا أن الخروج من الأزمات لا يمر عبر الخطابات، بل عبر بناء دولة قادرة وعادلة تحمي الجميع دون استثناء.

إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير
اخترنا لك