
ناشط حقوقي وبيئي
لماذا يتعرض المجتمع المدني للتضييق؟
خاص بوابة بيروت
في السنوات الأخيرة، نشهد في لبنان كما في العديد من دول العالم ظاهرة مقلقة تتمثل في تزايد الضغوط على الجمعيات غير الحكومية ومنظمات المجتمع المدني، سواء عبر التضييق الإداري والقانوني، أو عبر الحملات الإعلامية والتشكيك في دورها، أو من خلال تجفيف مصادر تمويلها وإضعاف قدرتها على الاستمرار.
وقد يتساءل البعض: من له مصلحة في إضعاف الجمعيات المستقلة؟
الجواب ليس بسيطاً، لأن الجهات التي قد تنزعج من عمل المجتمع المدني متعددة ومختلفة. فكل من يستفيد من غياب الشفافية والمساءلة أو من ضعف تطبيق القوانين قد يرى في الجمعيات المستقلة مصدر إزعاج. وعندما تكشف جمعية بيئية مخالفة، أو ترفع دعوى قضائية ضد معتدٍ على الأملاك العامة أو الموارد الطبيعية، أو تفضح حالة فساد أو هدر، فإنها تمسّ بشكل مباشر مصالح أشخاص أو جهات تفضّل بقاء الأمور على حالها.
وفي بعض الأحيان، قد تنزعج قوى سياسية من الملفات التي تثيرها الجمعيات عندما تكشف تجاوزات يرتكبها مسؤولون أو جهات محسوبة عليها. كما قد يشعر بعض أصحاب المصالح الاقتصادية بأن الرقابة البيئية أو الاجتماعية تشكل عائقاً أمام مشاريعهم أو أرباحهم، خصوصاً عندما تكون هذه المشاريع مخالفة للقوانين أو مضرّة بالمصلحة العامة.
لكن المشكلة لا تقتصر على الجهات التي تضيق ذرعاً بعمل المجتمع المدني الحقيقي. فهناك أيضاً ظاهرة أخرى لا تقل خطورة، تتمثل في وجود جمعيات تحمل صفة “غير حكومية” شكلاً، لكنها في الواقع تدور في فلك السلطة السياسية أو الاقتصادية أو الحزبية، وتعمل بصورة مباشرة أو غير مباشرة على تبرير السياسات العامة أو تبييض صورة المسؤولين والجهات النافذة، بدلاً من ممارسة دورها الطبيعي في الرقابة والمساءلة.
هذه الجمعيات لا تضر فقط بالقضايا التي تدّعي الدفاع عنها، بل تسيء أيضاً إلى سمعة القطاع الأهلي بأكمله. فعندما يرى المواطن جمعية تتجاهل المخالفات الواضحة، أو تلتزم الصمت تجاه الفساد، أو تتبنى خطاباً يبرر التجاوزات بدلاً من مواجهتها، يبدأ بفقدان الثقة ليس بهذه الجمعية فحسب، بل بالمجتمع المدني ككل. وهنا تكمن خطورة الأمر، لأن الخلط بين الجمعيات المستقلة والجمعيات التابعة أو الموالية للسلطة يؤدي إلى تشويه صورة العمل الأهلي وإضعاف ثقة الناس بالمؤسسات المدنية التي تقوم بدور رقابي حقيقي.
إن وجود جمعيات غير مستقلة لا يجب أن يكون مبرراً لمهاجمة المجتمع المدني بأسره، تماماً كما أن وجود مسؤولين فاسدين لا يعني إدانة كل مؤسسات الدولة، ووجود إعلام منحاز لا يعني إلغاء دور الإعلام الحر. المطلوب هو التمييز بين من يعمل لخدمة المصلحة العامة ومن يعمل لخدمة مصالح سياسية أو مالية أو شخصية ضيقة.
وفي لبنان، لعبت الجمعيات المستقلة دوراً أساسياً في حماية الغابات والأنهار والشواطئ، وفي الدفاع عن المواقع الطبيعية والتراثية، وفي دعم الفئات الأكثر هشاشة، وفي مراقبة الانتخابات، وفي تعزيز حقوق الإنسان، وفي سدّ ثغرات كبيرة تركتها الأزمات المتلاحقة التي عصفت بالدولة ومؤسساتها. ولولا وجود هذا المجتمع المدني، لكانت الخسائر البيئية والاجتماعية والاقتصادية أكبر بكثير.
صحيح أن أي قطاع يحتاج دائماً إلى الشفافية والمحاسبة والتطوير، والجمعيات ليست استثناءً من ذلك. فمن حق الرأي العام أن يطالب بالشفافية المالية والإدارية، ومن واجب الجمعيات أن تكون قدوة في الحوكمة الرشيدة. لكن هناك فرقاً كبيراً بين المطالبة بالشفافية وبين السعي إلى خنق المجتمع المدني وتجفيف موارده وإسكات صوته.
إن الدولة القوية لا تخاف من المجتمع المدني، بل تستفيد منه. والمجتمع الواثق من نفسه لا ينزعج من النقد البنّاء، بل يعتبره فرصة للتصحيح والتطوير. أما عندما تصبح الأصوات المستقلة هدفاً للتشويه أو التضييق، فإن الخاسر الحقيقي لا يكون الجمعيات وحدها، بل المجتمع بأسره.
اليوم، وفي ظل التحديات الهائلة التي تواجه لبنان والعالم، من تغيّر المناخ وفقدان التنوع البيولوجي إلى الأزمات الاقتصادية والاجتماعية المتفاقمة، نحن بحاجة إلى مجتمع مدني أقوى وأكثر استقلالية وشفافية، لا إلى مجتمع مدني أضعف وأكثر هشاشة أو خضوعاً للسلطة. فالدفاع عن الجمعيات المستقلة ليس دفاعاً عن مؤسسات أو أشخاص، بل دفاع عن حق المواطنين في المشاركة، والمراقبة، والمساءلة، والعمل من أجل الصالح العام.
لأن المجتمع الذي تُضعف فيه الجمعيات المستقلة، ويُكافأ فيه التبعية على حساب الاستقلالية، هو مجتمع يفقد تدريجياً أحد أهم خطوط الدفاع عن الديمقراطية والبيئة والعدالة ومستقبله المشترك. فالمجتمع المدني الحقيقي ليس عدواً للدولة، بل ضميرها الحي، وصوت المواطنين عندما يغيب الصوت، وعين المجتمع عندما تُغلق أعين كثيرين عن الحقيقة.
إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير