
مدير التحرير
مذكّرة تفاهم لعدم التّفاهم
الافتتاحية بقلم مدير التحرير د. ميشال الشمّاعي
@DRMICHElCHAMMAI
انشغلت الأوساط السياسيّة في متابعة أصداء مسوّدة مذكّرة التّفاهم التي سرّبتها بعض المواقع الصحافيّة والديبلوماسيّة. لكن أهمّ ما عكسته هذه المذكّرة هو الكمّ الهائل من التناقضات التي برزت من قبل طرفي الصراع. فيما بدا في الوساط نسختين متناقضتين.
الأولى من توقيع الولايات المتّحدة وتظهر فيها الجمهوريّة الاسلاميّة في إيران مكسورة ومهزومة ومنصاعة للشروط الميركيّة بالكامل. فيما تسرّبت نسخة ثانية بدت عليها بصمات الجمهوريّة الاسلاميّة في إيران.
ولعلّ أهمّ تصريحات الرئيس ترامب جاءت في هذا المجال حيث اعتبر أنّ الشروط التي سرّبتها إيران إلى الإعلام مضلِّلَة ولا علاقة لها بالشروط المطروحة. ودعّم نظريّته بالبيان الذي صدر عن النّظام الايراني إذ اعتبره مثير للشفقة بشأن وجود اتّفاق لا يمتّ بالحقيقة بصة. واعتبر الرئيس ترامب أنّه من المخزي جدًّا التّعامل مع أشخاص كهؤلاء، ومعهم لا يوجد شيء اسمه التّفاوض بحسن نيّة.
وفي خضمّ هذه المواقف المتناقضة برز موقف رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتانياهو الذي خطّ رسالة واضحة:” لن تمتلك إيران سلاحًا نوويًّا في عهدي.” وهذا الموقف يثبّت ألا إمكانيّة لأي اتّفاق مع هذا النّظام. ولا يبدو أنّ الرئيس الأميركي مستعجل لصفقة تشبه صفقة سلفه ” أوباما” في العام 2015 إذ أعطى لإيران ما مكّنها من تنفيذ السابع من أكتوبر، أو بالحدّ الأدنى الوصول إلى هذا التّاريخ الحدث.
ويبدو من سياق الأحداث كلّها أنّ الرئيس ترامب مقتنع بألّا أموال ممكن أن تمنح لهذا النّظام، لأنّه بكلّ بساطة سيعيد إنتاج ذاته بذاته في إيران وخارجها. وهذا ما يثبّت أنّ مذكّرة التّفاهم بمسوّداتها كلّها قد صيغت لتثبيت عدم التّفاهم. ويبدو أنّ الرئيس ترامب يحاول في هذه المرحلة أن يفتح كوّة اقتصاديّة في جدار الجمود الاقتصادي العالمي، علّه يخفّف نقمة القارّة العجوز على مخطّطاته، فربّما ينجح بتوريط بعض الدّول الأوروبيّة في جولته القادمة، والمفترضة بعد الانتهاء من مباريات كأس العالم. فيفتتح بذلك المباراة النّهائيّة في الشرق الأوسط بمشاركة أوروبيّة، ويكون حفل التتويج قبل الدّخول في الانتخابات النّصفيّة في شهر تشرين الثاني.
يبقى أنّ المتضرّر الأكبر من هذا السيناريو هو لبنان، لأنّ نتانياهو عازم على اجتثاث المنظّمة وإنهاء دورها وصولًأ إلى خلق واقع جديد على حدوده الشّماليّة، نجح في تطبيق معظم بنوده من خلال إيجاد منطقة عازلة معزولة من السّكان، ومنكوبة بفعل الأمر الواقع. وهذا ما يفسّر لبنانيًّا إصرار فخامة رئيس الجمهوريّة في التوصّل إلى سيناريو مقبول في المفاوضات مع إسرائيل.
ولكن ما هو غير مقبول أن تستمرّ المنظّمة في ارتهانها لإيران ورهنها للبنان كلّه خدمة لملفّ المفاوضات الذي على ما يبدو أنّه سيبقى عالقًا إلى ما بعد انتهاء الحسابات الأميركيّة. فبنهاية المطاف، صار جليًّا أنّ لبنان الدّولة عاصٍ على الشرعيّة الحقيقيّة التي ينشدها أركان الحكم. وممّا يبدو أنّ الدّولة في ظلّ وجود الدويلة ستبقى حلمًا صعب المنال لأنّ أركان السلطة يحاولون حتّى الساعة إمساك العصا من وسطها. وهذه مسألة لم تعد مقبولة.
إن لم تتحرّك السلطة السياسيّة وتوعز إلى المؤسّسات التنفيذيّة على القوى السياديّة في المجلس النيابيّة أن توحّد صفوفها أكثر وتذهب نحو المطالبة بحماية دوليّة للمؤسسات التنفيذيّة حتّى تستطيع ان تلعب دورها الحقيقي. هذا في أدنى الأحوال، أمّا في أقصاها فعليها المطالبة بتنفيذ البند السابع المدرج ضمنًا، ما بين السّطور، في القرار الأممي 1701. وهذا ما سيجنّب لبنان المزيد من الويلات التي تضمرها له إسرائيل، ولا تبدو منظّمة حزب الله مكترثة بالتّسبّب بتدمير ما تبقى وعلى مَن تبقّى.
فهل يجرؤ هؤلاء على الإقدام؟ أم أنّ الانتظار في المحطّة سيبقى سيّد المرحلة إلى أن يمرّ هذا القطار الذي طال انتظاره؟ وهل الانتظار في المحطّة وحده يؤمّن هذا الصعود إلى ذلك القطار؟ أم أنّ هذا الانتظار سيدفع بالقطار إلى المضي قدُمًا وعدم التوقّف في هذه المحطّة؟
إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير