لماذا أنا مع الدولة القوية العادلة؟
بقلم رياض عيسى – خاص بوابة بيروت
في كل مرة أكتب فيها مقال أو رأي تنهال عليي الأسئلة والتعليقات عن تقصير الدولة، وأين الدولة؟ ولهولاء أقول: أنا من الذين انتقدوا الدولة اللبنانية لعقود طويلة، وانتقدوا إهمالها للجنوب وحرمانه من الإنماء والخدمات والحماية كما غياب الدولة عن كل الماطق النائية.
أنا من جيل سمع في الندوات والمؤتمرات واللقاءات آلاف الكلمات والخطابات عن تقصير الدولة وعجزها وفسادها، وشهد الاحتلال والاعتقال والتهجير والحروب المتكررة.
لكنني رغم ذلك، وربما بسبب ذلك، أصبحت اليوم أكثر اقتناعاً بالدولة نعم الدولة ولا أقل من ذلك.
لأن البديل عن الدولة لم يعد مجرد مقاومة أو أحزاب أو شخصيات تحتل مكان الفراغ مؤقتاً، بل أصبح واقعاً موازياً أنتج سلطات متعددة ودويلات متعددة وقرارات متعددة وموازين قوى مختلفة بين المواطنين، وأصبح الإستثناء قاعدة والفوضى حرية والتعدي على القانون مكتسبات.
ولأنني أؤمن أن المواطن يجب أن يلجأ إلى قاضٍ واحد لا إلى مراكز نفوذ، وأن يخضع لقانون واحد لا لتفسيرات متعددة، وأن تحميه مؤسسة عسكرية وطنية واحدة لا قوى أمر واقع متنافسة مهما كانت نواياها أو تضحياتها.
صحيح أن الدولة قصّرت بحق الجنوب، لكن هل يكون العلاج هو بالتخلي عنها أم بإجبارها على القيام بواجباتها؟
وصحيح أن الجيش لم يكن دائماً قادراً على حماية الحدود، لكن من الذي طالب فعلاً ببناء جيش قوي وقادر؟ ومن الذي قبل بأن يبقى القرار الأمني والعسكري موزعاً بين أكثر من جهة ومن المستفيد من ضعف الجيش، كي تبقى ذريعة لتمسكه بسلاحه؟
أنا مع الدولة لأنني أريد أن يكون السلاح وقرار الحرب والسلم مسؤولية وطنية يتحملها الجميع، لا أن يدفع ثمنها جزء من اللبنانيين نيابة عن الآخرين.
وأنا مع الدولة لأنني أريد لأبنائي وأحفادي أن يعيشوا في وطن تحكمه المؤسسات لا موازين القوى، والقانون لا النفوذ، والمواطنة لا الانتماءات الضيقة.
لهذا أدعم العهد الحالي برئاسة جوزاف عون، وأدعم الحكومة برئاسة نواف سلام، لا لأنني أعتقد أنهما يملكان حلولاً سحرية، ولا لأنهما معصومان عن الخطأ، بل لأنني أرى في مشروعهما فرصة لإعادة الاعتبار لفكرة الدولة التي خسرها اللبنانيون طويلاً.
أنا معهم، لأنهم يمثلون ما تبقى من منطق الدولة: مؤسسات، قانون، وقضاء مستقل لا يساوم.
معهم لأن الدعوة إلى حصر السلاح بيد الجيش والقوى الأمنية ليست موقفاً سياسياً عابراً، بل شرطٌ لبقاء لبنان..
لست مع تخوينهم ولا مع شيطنتهم، كما أرفض منطق التخوين الذي يطال كل من يختلف في الرأي.
دعمي لهم ليس اصطفافاً سياسياً… بل تمسكاً بما نؤمن به:
دولة واحدة، قرار واحد، وعدالة لا تخضع للترهيب أو المساومة…
فلبنان لا يُبنى بالإلغاء، ولا يُحمى بدولة داخل دولة، ولا يستقيم بولاءات تتجاوز حدوده.
قد نختلف حول الأشخاص، لكن لبنان لن ينهض إلا عندما تصبح الدولة مرجعيتنا جميعاً، وعندما نتوقف عن السؤال: “أين هي الدولة؟” ونبدأ العمل كي تكون موجودة وقادرة وعادلة للجميع.
هكذا فقط يمكن أن ننقذ ما تبقى من وطن…
إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير