
مدير التحرير
أيّ لبنان جديد في الشرق الأوسط الجديد؟
خاص بوابة بيروت
لا يمكن الانكار أو التغاضي بعد اليوم أنّ الوضع الإقليمي، وانطلاقًا من صراع ممرّات الطاقة في الخليج بات على حافّة تحوّل استراتيجي. ومخطئ من يظنّ أنّ هذه الأحداث ستنحسر بعد مجرّد تصعيد عابر للقارات. فالمحاولات الأميركيّة لإعادة فتح الممرات البحريّة عبر “مشروع الحرّيّة” ليست محاولات تكتيّه، إنّما ترسم رؤية الولايات المتّحدة الأميركيّة الاستراتيجيّة في المنطقة لمئات ومئات من السنين. ووسط خارطة النّفوذ الجديد هذه يقبع لبنان الكبير باسمه والصغير بمساحته. فهل تنعكس تسميته ليصبح لبنان الصغير بمساحته والكبير باسمه في مستقبل المنطقة القريب؟
مناطق نفوذ في الخليج تتجدّد
يبدو أنّ الاعتداء الفاضح الذي حصل على الامارات العربيّة المتّحدة قد أعاد تموضعها في الحاضنة الأميركيّة، ولا سيّما بعد صراعها مع المملكة العربيّة السعوديّة الذي بدأ يطفو على الواجهة من “صوماليا لاند” واليمن وغيرها من مناطق النفوذ في الخليج.
ولعلّ هذا ما يدفع الإمارات إلى نوع من صياغة شراكة باردة مع الولايات المتّحدة الأميركيّة بدلا من التحالف الأمني، وربّما ما يحصل اليوم في الخليج قد يعيد النّظرة في النّظر إلى التحالف مع الأميركي. ولا سيّما أنّ هذا المسار قد بدا يلوح نجمه في الأفق الأوروبي بعد التسريبات عن إعادة النّظر في مشاركة الولايات المتّحدة في حلف الناتو وتمويل بعض الاتّفاقيّات الدّفاعيّة في أوروبا.
وما قد يساعد في ذلك هو الجغرافيا القارّيّة الأميركيّة التي تساهم في فصل الولايات المتّحدة الأميركيّة عن أرض المعركة، ولكنّ مصالحها الاستراتيجيّة، ولا سيّما في تأمين ممرّات الطاقة تمهيدًا للسيطرة على طرق التّجارة العالميّة في زمن ستطغى فيه صناعة الذكاء الاصطناعي والقدرة على استخدامه كفاعل وكعامل للسيطرة الجديدة في المستقبل القريب، تحتّم وجودها في منطقة الشرّ الأوسط، منطقة العبور العالمي لتكون هي بنفسها وسيط هذا العبور.
الاحتواء القسري أم الحسم القصري؟
مقابل ذلك، لا توفّر الجمهوريّة الإسلامية في إيران أيّ جهد لاستثمار هذه التوتّرات كلّها والتي كانت بصماتها دامغة في وسطها. مع حرصها على عدم الانزلاق إلى حرب شاملة. فلكأنّها تمارس استراتيجيّة الضغط الذكي بالتصعيد المدروس الذي لا يسمح بالضربة الكبرى. هذه الضربة التي ما فتئ الرئيس الأميركي دونالد ترامب يهدّد بها ولا يقدِم عليها. علّه ينجح في توزيع أوراق القوّة في الإقليم بدلًا من تفجيرها بيد مالكيها.
فيما يبدو حتّى لحظة كتابة هذه السطور أنّ الولايات المتّحدة لا زالت تبحث في كيفيّة تنفيذ سياسة احتواء بدلا من سياسة الحسم- التي يفضّلها ترامب، وهذا ما قد يفسّر بعمليّة إعادة تموضع عالمي مرحلي على وقع النتائج الاقتصاديّة التي يحقّقها من بيعه للنفط الأميركي للسوق الأوروبية. محافظًا بذلك على الشرق الأوسط كساحة إدارة أزمات لا كساحة حسم.
هل تصل إسرائيل إلى بيروت في الليطاني 2 ؟
أمّا لبنانيّا فالحديث الطاغي عن ملفّ المفاوضات في ظلّ انحسار موجة التطاول على الرموز الدينيّة التي حاولت منظّمة حزب الله توظيفها أمنيًّا. فلا تألو أيّ جهد هذه المنظّمة في هذه المرحلة بتحويل لبنان من دولة سيّدة تفاوض إلى دولة تصبح ملفًّا على طاولة التفاوض. ولعل التلبّد في القرار السيادي من الناحية التنفيذية على أرض الواقع هو ما قد يعزّز هذه الفرضيّة. فحذارِ من تحويل التفاوض في هذه الحالة إلى طعم تستعمله الدّولة اللبنانيّة تمهيدًا للانفجار الكبير.
ولا سيّما أنّ العمليّات الحربيّة مستمرّة على الأراضي اللبنانيّة بحيث نجحت إسرائيل بنقل جبهتها إلى الدّاخل اللبناني، وهي مستمرّة في إصدار أوامر التهجير القسريّة، وأعمال التفجير من قوّاتها المختصّة، وأعمال الجرف التي ينفّذها عمّال فلسطينيّون في لبنان. والجدير بالذّكر أنّ بعض هذه القرى واقعة شمال نهر الليطاني. ولعلّ هذا ما يفكّ طلاسم حدود المعركة الإسرائيلية على الجغرافية اللبنانيّة. والجغرافية الجنوبية تتبدّل معالمها بجرفها جرفًا ما سيجعل العودة شبه مستحيلة وقد تحتاج لعقدين من الزّمن بأقصر تحديد.
وهذا ما يطرح إشكاليّة رسم خريطة لبنان الجغرافيّة ولكن هذه المرّة من البوابة الديموغرافيّة. ذلك وسط إصرار إسرائيل على الاحتفاظ بالمنطقة المدمّرة التي جعلتها منطقة غير مؤهّلة للحياة لعشرات وعشرات من السنين القادمة. وهذا ما يطرح الإشكالية حول حقيقة ما تريده إسرائيل على حدودها الشماليّة. فهل تريد الأمن أم تريد التغيير الديموغرافيّ؟
لبنان والحرب الإيرانية، ضحية الجغرافيا
صحيح أنّ الرئيس الأميركي قد أعلن انتهاء الحرب على إيران بحكم القانون الأميركي، لكن الاعتداءات التي جرت قد تعيد فتح باب الحرب على مصراعيه، وهذه ورقة دعم كبيرة بيد الرئيس الأميركي قد يستعملها بوجه الكونغرس. وتبرز مأساة لبنان في هذه الحرب بالتّحديد إذ يستطيع الأميركي أن يوقفها في إيران متى يشاء وكيفما يشاء.
فيما تبقي إيران على الورقة اللبنانيّة بيدها لتجعل منه ساحة من ساحات حربها وورقة بيدها في مفاوضاتها. ولكنّها حريصة جدًّا على ألّا يكون طرفًا في قرار الحرب أو السلام. مع العلم أنّ الرئيس الأميركي ترامب نفسه قال إن الهدنة مع إيران “لا تشمل لبنان”. ليبقى السلام منزوعًا على وقع شيطنة مبادرة فخامة الرئيس، وتأليه الحرب السرمديّة بغضّ النّظر عن نتائجها الانتحاريّة على الوطن بأسره. فلبنان يدفع ثمن حرب لم يعلنها بل أقحمته في وسطها منظّمة حزب الله. ويبقى مترنّحًا في هدنته، بينما تبحث إيران عن هدنة تاريخية في هذه المرحلة. وذلك انتظارًا لتغيير الظروف تمهيدًا للتوصّل إلى اتّفاق بالحدّ الأدنى من شروطها.
لكن هل يقبل الرئيس ترامب بالمماطلة الإيرانيّة أكثر، وبالممايعة اللبنانيّة معطوفة عليها، ولا سيما بعد التصريح النّاري للسفير الأمريكي من بكركي؟ فهل هذا حثّ طبيعي بلغة ديبلوماسيّة ناعمة ولكن حاسمة بقوله للذين لا يعجبهم العلم اللبناني أن يبحثوا عن بلد ثانٍ ليعيشوا فيه غير لبنان؟
إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير