
مدير التحرير
حذارِ التآكل اللبناني على وقع حافّة الانفجار
خاص بوابة بيروت
لا زال لبنان بفعل التعنّت الذي تمارسه منظّمة “حزب الله” بتمرّدها على قرار الشرعيّة خارج معادلة القرار، بغضّ النّظر عن سعي دولة القرار لجعله الطبق الأدسم على طاولة القرار. عسى أن تستطيع الولايات المتّحدة الأميركيّة تقديم الخرق الاستراتيجي لبوّابة السلام من الكوّة اللبنانيّة في المنطقة. لأنّه على ما يبدو أنّ إيران تمارس التّصعيد المحسوب حتّى حافّة الانفجار.
وها هي تعتدّ بما تعتبره انتصارًا “بمفهومها” في مواجهتها للولايات المتّحدة عبر ما قامت به في الإمارات، وهذا ما رفع سقف المخاطرة تمهيدًا لجرّها إلى خطأ. تبقى هذه مسألة وقت، وليس مجرّد احتمال، حتّى لحظة الاشتعال.
انكسار وهم الحصانة الخليجية
ما كان راسخًا في “الجيوبوليتيك” الخليجيّة نجحت إيران بإسقاطه من خلال الضربات التي نفّذتها على الإمارات العربيّة المتّحدة. فتم ضرب مفهوم العمق الآمن وصارت الساحات كلّها مفتوحة على كافّة الاعتداءات. وهذا باعتقادي ما سيسرّع وتيرة التصعيد.
لكن ما يتمّ البحث فيه حتّى الساعة، بحسب ما صرّحت به بعض المصادر، هو طريقة هذا التصعيد بعدما تعتبر إيران نفسها كسرت الطوق وانطلقت من الدّفاع إلى الهجوم المحسوب. ولكنّها لم تستطع الوصول إلى لحظة الحسم. إلّا انّها باتت تختار التوقيت الذي يناسبها، وتحدّد مسرح عمليّاتها كما تشاء، وتترقّب عمليّة اختبار ردود الفعل بدقّة.
ولعلّ هذا ما دفع بردود الفعل “الأميركية – الإسرائيلية” لأنّه على ما يبدو أنّ المنطقة قد انتقلت من توازن الرّدع، ولو انّ ضربه وتقليصه قد تمّ، إلى توازن المخاطرة. فمن يجرؤ أكثر ينتصر أسرع. ولن تكون قاعدة الانتصار بتحقيق نقاط منفردة بل ستكون بضربة حاسمة قاصمة. وهنا تكمن خطورة الموضوع، لأنّه بات مقامرة غير متكافئة وغير متوازنة.
التآكل اللبناني : فرصة أخيرة للنهوض
وسط هذا المستنقع الإقليمي، لا تألو منظّمة “حزب الله” أي جهد لإخراج لبنان من معادلة القرار، لكنّ الدعم الذي تلقّاه كلّ من فخامة رئيس الجمهوريّة، والبطريرك الماروني، للمضي قدمًا في المسار التفاوضي و أعاد وضع لبنان الدّولة داخل معادلات النتائج. لكنّ السباق الخفيّ الذي دخلت فيه الدولة اللبنانية هو في الاستنزاف الاقتصادي الناتج عمّا قامت به منظّمة “حزب الله” في إسنادَيها وانتقامها، وتعنّتها المستمرّ.
صحيح أنّ الحرب في لبنان ليست شاملة، لكنّ الاستنزاف الأمني اليومي المتقطّع ينهك الدّولة التي تترنّح تحت ضغط اقتصاديّ متزايد. وهذا ما سيؤدّي بشكل دراماتيكي إن تأخّر مسار التفاوض أكثر إلى تآكل تدريجي لمقوّمات وجود هذه الدّولة. وقد تكون هذه إحدى الأهداف الخفيّة التي وضعتها منظّمة “حزب الله” على لائحة أولويّاتها.
فعندها فقط تستطيع تحويل الساحة اللبنانيّة إلى مكان آمن لتصفية حساباتها مع استكمال قدرتها على تعطيل أيّ قوّة اعتراضيّة. يبقى أنّ السبيل الوحيد لمواجهة هذا المخطّط الخبيث هو بدعم الدّولة أكثر وتثبيت مندرجات تحرير عمقها من سيطرة ” كرافات” دولة الرئيس ومسيّرات الشيخ نعيم المربوطة بحبل الصرّة الإيراني.
الخروج سيكون من الجغرافيا وليس من التّاريخ
ما يجب التنبّه إليه في هذه المرحلة بالتحديد انّ أيّ خطأ استراتيجي بالتردّد “المفاوضاتي” سيخرج لبنان بأكمله من الجغرافيا وليس من التّاريخ فحسب. فالمنطقة باتت في زمن الحروب الصامتة والمتنقلة. فهذا التحوّل في بنية الصراع إن لم نعرف كقوى سياديّة تلقّفه قد يطيح بكلّ ما حقّقته هذه القوى طوال هذه السنين من التراكم في العمل السياسي مقابل لحظة انتصار في عمل عسكريّ ما، حتّى لو كان هذا الانتصار مقرّبًا من هذا الخطّ.
فالحرب تدار من دون إعلان، والخرائط يعاد رسمها من دون مؤتمرات، وخطر الحرب في صمتها، ليس في حشرجتها. فعلى المدى القصير يبدو أنّ الضربات ستكون متبادَلَة ولكن تحت السقوف المضبوطة. وأيّ خطأ استراتيجي في هذه المرحلة قد يطيح بكلّ شيء في لحظة حسم مرتقبة. حتى نقطة البداية والانطلاقة غير محدّدة. ولا حتى نقاط النهاية قابلة للتحديد. وما ينجح به الإسرائيلي والأميركي وسط هذه الحرب الصامتة هو ذلك الاستنزاف الصارخ الذي سيؤدّي إلى التآكل. بانتظار لحظة السقوط التي لم تعد بعيدة!
إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير