الضرائب… عندما يدفع الفقير ثمن عجز الدولة

بقلم جوسلين يمين – خاص بوابة بيروت

مرة جديدة، تختار الدولة الطريق الأسهل: مدّ يدها إلى جيوب المواطنين والموظفين وذوي الدخل المحدود، بدل أن تتجه إلى مكامن الهدر والفساد والتهرب الضريبي الذي يستنزف الخزينة بمليارات الدولارات.

فبدل أن تُفرض الضرائب على الثروات الكبرى، والأرباح الطائلة، والأملاك البحرية والنهرية المحتلة، وكبار المتهربين من دفع مستحقاتهم للدولة، نجد أن العبء يقع مجددًا على الموظف الذي يتقاضى راتبًا بالكاد يكفيه حتى منتصف الشهر، وعلى المتقاعد الذي أفنى عمره في خدمة الإدارة العامة، وعلى المواطن الذي يدفع فاتورة الكهرباء والمياه والاتصالات والمحروقات والـTVA وسائر الرسوم دون أي تقصير.

إن هذه السياسة الضريبية لا تحقق العدالة، بل تعمّق الفجوة الاجتماعية وتزيد الفقراء فقرًا، فيما يبقى أصحاب الرساميل الكبرى بمنأى عن أي مساهمة حقيقية في تحمل أعباء الأزمة.

أما موظفو القطاع العام، فهم الحلقة الأضعف في هذه المعادلة الظالمة. فمن جهة، ما زالت رواتبهم متآكلة بفعل انهيار العملة وارتفاع الأسعار، ومن جهة أخرى، تأتي الضرائب الجديدة لتقتطع ما تبقى من قدرتهم الشرائية، في وقت لم تعد فيه بدلات النقل أو المساعدات الاجتماعية تكفي حتى لتغطية كلفة الوصول إلى مكان العمل.

فأي إصلاح يمكن أن يبدأ بمعاقبة الموظف الشريف الذي يدفع كل ما يترتب عليه من ضرائب ورسوم، بينما يبقى الفاسد والمتهرب محصنًا؟ وأي عدالة ضريبية هذه التي تطال أصحاب الدخل المحدود وتستثني أصحاب النفوذ والثروات؟

إن بناء الدولة لا يكون بإفقار المواطنين، بل بإرساء نظام ضريبي عادل يفرض على القادر أكثر، ويحمي محدودي الدخل، ويستعيد الأموال المهدورة والمنهوبة، ويكافح التهرب الضريبي بجدية، بدل تحويل الموظف إلى الممول الوحيد لعجز الخزينة.

لقد بلغ المواطن اللبناني حدًّا لم يعد يحتمل معه المزيد من الأعباء. والرسالة اليوم واضحة: لا يمكن لأي دولة أن تنهض إذا كان الإصلاح يبدأ من جيب الفقير وينتهي عند أبواب أصحاب الامتيازات. فالعدالة الضريبية ليست شعارًا، بل هي أساس أي دولة تحترم مواطنيها وتصون كرامتهم.

إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير
اخترنا لك