
كاتبة وناشطة سياسية
هل المشكلة #المال… أم معنى التكريم؟ رسالة #ريما_الرحباني بين حق العائلة ومحبة الناس
بقلم كوثر شيا – خاص بوابة بيروت
@kchaya
هناك حقيقة لا يمكن لأي قانون أن يغيّرها.
قد تمتلك العائلة الحقوق القانونية والإرث الفني، وهذا حق لا جدال فيه، لكن الكنز الحقيقي لأي فنان هو محبة الناس. فلو لم تدخل أعماله إلى البيوت، ولو لم تحفظها الأجيال، ولو لم يشعر الناس أنها تعبّر عنهم، لما بقي هذا الإرث حياً حتى اليوم.
الفنان لا يصبح عظيماً لأنه ينتمي إلى عائلة عظيمة، بل لأنه ينجح في أن يصبح جزءاً من ذاكرة الناس. وعندما يصل إلى هذه المرحلة، لا يعود ملكاً لعائلته وحدها، بل يصبح أيضاً ملكاً لمحبة جمهوره، الذي حمل فنه من جيل إلى جيل.
يكفي أن ننظر إلى فيروز لندرك معنى ذلك. كم من فنانة غنت أغانيها؟ وكم من موسيقي درس أعمال الأخوين عاصي الرحباني ومنصور الرحباني؟ وكم من الناس حول العالم يعتبرون أغنياتها جزءاً من حياتهم اليومية؟ هل يمكن اعتبار كل هؤلاء مستغلين؟ أم أنهم، في الحقيقة، السبب في بقاء هذا الفن حياً؟
من هنا، أثارت الرسالة المطولة التي نشرتها ريما عاصي الرحباني بعد رحيل الفنان الكبير زياد الرحباني نقاشاً واسعاً، حتى ظنّ البعض أن اعتراضها ينحصر في أسعار بطاقات حفلات التكريم أو في الجانب المالي. لكن القراءة المتأنية للنص تُظهر أن القضية بالنسبة إليها أعمق من المال بكثير.
ما أرادت ريما قوله، باختصار، هو أن زياد لم يكن يحب التكريم بالشكل المتداول اليوم، ولم يكن يقبل، برأيها، أن تُستعمل أعماله أو يُعاد تقديمها بطريقة لا تشبهه، أو أن تتحول ذكراه إلى مهرجانات وحفلات تتحدث باسمه من دون أن تعبّر عن فلسفته أو عن رغبته الشخصية.
كما انتقدت الأسعار المرتفعة لبعض حفلات التكريم، معتبرة أنها تتناقض مع شخصية زياد الذي كان، بحسب روايتها، يحرص على أن تكون عروضه في متناول الناس، حتى لو اضطر إلى تخفيض دخله الشخصي. ودعت إلى الاكتفاء ببث أعماله الأصلية، أو بمبادرات طلابية وثقافية بسيطة تحافظ على أصالتها.
ولا شك أن هذا الموقف يعكس حرص أخت على إرث أخيها، وهو حق إنساني وأخلاقي، كما أن للعائلة كامل الحق في حماية الملكية الفكرية والأدبية لأعماله ومنع أي استغلال أو تشويه لها.
لكن في المقابل، هناك واقع لا يمكن تجاهله. فتنظيم أي حفل أو أمسية أو مهرجان ثقافي يحتاج إلى قاعة، وتجهيزات، وفريق عمل، وتقنيات صوت وإضاءة، وتسويق، ورسوم تشغيل. لذلك فإن وجود بطاقة دخول لا يعني بالضرورة أن الهدف هو الربح أو استغلال اسم الفنان، بل قد يكون وسيلة لتغطية النفقات وضمان استمرار النشاط الثقافي.
وهنا يصبح السؤال الحقيقي: هل المشكلة في وجود المال، أم في طريقة استخدامه؟
إذا كان الهدف تحقيق أرباح على حساب اسم الفنان، فذلك يستحق النقد. أما إذا كان الهدف هو تنظيم لقاء ثقافي محترم يحفظ الحقوق القانونية ويمنح الجمهور فرصة الاحتفاء بإرث فني كبير، فليس من العدل أن يُنظر إلى كل مبادرة على أنها استغلال.
ولعل ما يزعج كثيرين في خطاب ريما الرحباني ليس دفاعها عن الحقوق، فهذا حق مشروع، بل النبرة التي توحي أحياناً وكأن محبة الناس تحتاج إلى إذن، أو أن الاقتراب من إرث زياد أو فيروز أصبح أمراً يجب تبريره. بينما الحقيقة أن الفنان لا يعيش فقط داخل أرشيف عائلته، بل يعيش أيضاً في وجدان جمهوره.
إن حماية الإرث مسؤولية العائلة، أما إبقاء هذا الإرث حيّاً فهو فضل الناس الذين أحبوه، وغنّوه، ودرّسوه، وعزفوه، وورّثوه لأبنائهم. وهذه المحبة الجماعية هي أعظم تكريم يمكن أن يناله أي فنان، لأنها لا تُشترى بالمال، ولا تُفرض بالقانون، ولا يستطيع أحد احتكارها.
فالفنان الحقيقي يبقى ملكاً لقلوب الناس… وهذا هو الإرث الذي لا يسقط بالتقادم، ولا يمكن لأي أحد أن يحتكره.
إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير