هل اهتزّ العهد؟

خاص بوابة بيروت

دخل لبنان مرحلة جديدة من التّصعيد العسكري أعادت خلط الأوراق جميعها؛ مع العلم أنّنا حذّرنا مرارًا وتكرارًا من الوصول إلى هذا الدّرك من التمادي في التحايل على المجتمع الدّولي. لكن على ما يبدو أنّ شيفرة الرّسائل الدّوليّة لم تقرأ جيّدًا من قبل العهد الحاكم، فأمعن في غرز المدية في هيكله بيده، والهدف من ذلك لم يكن سوى بدافع عدم التصادم.

واليوم على أعتاب اقتراب الحسم العسكري، يبدو أنّ الإسرائيلي قد أعلن ساعة الصفر وبدأ التنفيذ. فالتصريحات الصادرة عن وزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتمار بن غفير الذي قالها علنًا: “آمل جدًّا أن نكون مقبلين على تصعيد مع لبنان؛ فلا يمكن الاكتفاء بالتركيز على إحباط التهديدات، ويجب وقف لعبة القط والفأر هذه وسحقهم أيضًا في بيروت.” معطوف عليها التّصريح البارد الذي صدر عن السفير الأميركي على أبواب عين التيني قائلًا:” انزعوا سلاح حزب الله وينتهي كلّ شيء.” تؤكّد أنّ زمن الانتظار قد ولّى.

إضافةً إلى هذين التّصريحين، لا تقرأ أيضًَا عمليّة “أنصار” قراءة عاديّة وهي التي تمّ فيها استهداف قائد كتيبة في فرقة الرّضوان: علي سمير الحاج حسن، إلى جانب عدد من العناصر الآخرين، الذين كانوا يعملون لتنفيذ عمليّات ضدّ الجيش الاسرائيلي في المنطقة الأمنيّة.

هذه المسائل كلّها تؤشّر إلى أنّ الإسرائيلي قد تخلّى عن مسار روما نتيجة لما لمسه من عجز عند الدّولة اللبنانيّة في عدم قدرتها على تنفيذ تعهّداتها. وهذا بدوره نتيجة للقرار الإيراني باستمرار المواجهة من كلّ الساحات، بما فيها ساحة لبنان، والتي تعتبر منظّمة حزب الله نفسها ملزمة بالارتهان للقرار الإيراني.

وهذا ما يعطي إسرائيل القوّة لوقف لبنان، وليس لوقف النّار في لبنان. وهي نجحت بتحويل الرّدّ على ضربات منظّمة حزب الله عليها من مجرّد ردّ عسكري روتيني اعتدنا عليه في لبنان، إلى محاولة ثابتة لإبقاء لبنان الدّولة في دائرة النّار، ومنع هذا العهد من الانتقال إلى مرحلة الاستقرار التّام والسيادة الكاملة.

ولعلّ هذا ما يطرح إشكاليّة جديدة مفادها: مَن يحمي الاتّفاقات حين تتكلّم الطائرات؟ وأيّ ضامن بعد يستطيع السيطرة على المسيّرات المتفلّتة من سقف الشرعيّة؟ وما جدوى هذا الاتّفاق الإطاري، وهذا المسار التفاوضي الكامل إذا كانت الدّولة اللبنانيّة لا تستطيع أن تبسط سيادتها على أرضها، وقرارها ليس بيدها فيما إسرائيل تستطيع في كل لحظة أن تعيد رسم قواعد الاشتباك بالنار، بل تربط انسحابها من الجنوب بنزع سلاح حزب الله؟

ولا يعتقدنّ أحد أنّه يستطيع تحوير الأنظار عن الهدف الاستراتيجي الذي وضعته إسرائيل بالدّعاية الإنسانيّة. فالتركيز على سقوط عائلات وأطفال، وتحويل الاعتداءات إلى قضية أخلاقية وقانونية لن يثني إسرائيل على متابعة مسارها، وبالطبع بالعقل الذي تدير به منظّمة حزب الله معركتها الدينية تحضيرًا لقدوم مهديها المنتظر، تبقى هذه النّاس مجرّد ضحايا وأرقام ضروريّة أيديولوجيًّا لتمهيد هذا الطريق.

ولعلّ هذا ما يزيد المشهد تعقيدًا أكبر. فلا الحزب طامح للسلام، ولا إسرائيل مستعجلة على تحقيقه؛ ولا الدّولة اللبنانيّة قادرة على فرض شروطها للوصول إلى هذه المرحلة. فالمطلوب من الدولة اللبنانية أن تنزع سلاح حزب الله وتبسط سلطتها، بينما تبقى هي عاجزة عن حماية حدودها ومواطنيها من الضربات الإسرائيلية.

هنا تظهر المفارقة الكبرى في المعادلة الجديدة. وهذا ما سيدفع بإسرائيل عملًا بمبدأ القوّة المفرطة، وبحثًا عن استثمار الميدان بالسياسة في الانتخابات المرتقبة إلى الذهاب نحو الأقصى لبنانيًّا لتحقيق أهدافها بهذه القوّة المفرطة التي ما فتئ نتانياهو يتحدّث عنها.

إذا ما استمرّت الأمور على هذا المنوال سيكون هذا السلاح السبب الذي سيؤدّي، أو قل أدّى، إلى اهتزاز العهد وخسارة الفرصة. كما سيكون المقدّمة للاحتلال الدّائم، أو بأدنى حدّ للاعتداء الدّائم. فالمطلوب واحد وهو دولة واحدة، وجيش واحد، وسيادة كاملة. لا للبنان ساحة لإيران ولا للبنان مكسر عصا لإسرائيل بسبب سلاح إيران ومنظّمتها في لبنان.

ومَن له أذنان للسماع … فليسمع.

إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير
اخترنا لك