
مدير التحرير
من الميدان إلى إعادة التفاوض
خاص بوابة بيروت
طغى على الساحة اللبنانية المعطى الميداني حيث تحوّلت تلّة علي الطاهر من موقع عسكري إلى عقدة سياسيّة، وهذا ما سمح للإسرائيلي بإضافة اختبار جديد للدولة اللبنانية حتّى تثبت قدرتها ” الدّولتيّة” بهدف الدّخول في المعادلة التس ستنشأ بعد اتّفاق الإطار وتنفيذه المتعثّر.
فيما بدا لافتًا الموقف التصعيدي للنائب عن حزب الله، حسن عز الدين، الذي أعلن أن الحزب لن يتخلى عن الموقع، وأنه سيرد إذا هاجمته إسرائيل، بل ذهب إلى الحديث عن احتمال المساعدة الإيرانية. وهذا ما يؤكّد مرّة جديدة تصريح قاليباف حول تواصله مع عناصر الحزب المباشر. في إيحاء واضح حول هويّة قائد العمليّات في هذه المرحلة.
في المقابل، تُظهِر القراءة الإسرائيلية أن إزالة البنية العسكرية في علي الطاهر أصبحت شرطًا لتوسيع نموذج “المناطق التجريبية” جنوبًا. وهذا ما يزيد الأمور تعقيدًا وما يؤشّر إلى المزيد من العثرات التي ستعتري جولة روما المقبلة، هذا إن عقدت. لأنّ علي الطاهر أضحت نقطة اختبار الإطار.
كما برزت بشكل لافت زيارة قائد الجيش العماد رودولف هيكل لمفتي الجمهوريّة عبد اللطيف دريان الذي أعلن وقوفه جنبًا إلى جنب الجيش ودعمه في الحفاظ على استقرار الوطن. وهذا ما أضفى على الزّيارة أبعادًا سياسيّة أبعد من كونها مجرّد زيارة بروتوكوليّة عاديّة. وهذا ما يوسّع مظلّة الجيش اللبناني ولا سيّما بعد ارتدادات قانون العفو الأخيرة. وما يعطيه عنوانًا وطنيًّا أبعد من العناوين الطائفيّة الضيّقة. فأهمية الزيارة ليست في ما قيل فقط، بل في توقيت قول ما قيل.
وهذا ما قد يدعّم قدرة الجيش اللبناني لالتقاط المومنتوم المحلّي وشبكه مع المومنتوم الدّولي في ما يتعلّق بإشكاليّة علي الطّاهر. فيبقى السؤال في هذه الحالة: هل سيقدم العماد هيكل على خطوة جريئة تمنع الإسرائيلي وتمنح الدّولة اللبنانيّة ورقة قوّة جديدة بيدها تضعها على طاولة روما المقبلة؟ وذلك كلّه على أعتاب زيارة فخامة رئيس الجمهوريّة المرتقبة إلى روما التي من المتوقّع منها أن يحصل فخامته على دعم فاتيكانيٍّ، معنويٍّ طبعًا، يقوّي أوراق الرّئاسة في التفاوض.
فلبنان الّدولة يحاول بناء معادلة جديدة تقوم على ثلاثيّة الجيش اللبناني والغطاء الدّولي المرتقب من البوابة الإيطاليّة – الفاتيكانيّة معطوفًا على اتّفاق الإطار. في مقابل معادلة إسرائيلية تبدو أقرب إلى ثلاثيّة: نزع السلاح والانسحاب الاسرائيلي فالترتيبات الأمنيّة الموعودة التي قد تفضي حتمًا إلى الاستقرار فإعادة الإعمار.
أمّا واشنطن التي كشفت سابقًا أنّها تريد انسحابًا إسرائيليًا تدريجيًا مقابل تقدم موثوق في نزع سلاح حزب الله وتسليم المسؤولية للجيش اللبناني فتبدو وكأنها تريد تنفيذ الاتفاق، فيما إسرائيل تريد تعديل شروط تنفيذه، ولا سيّما أنّ الرسالة الإسرائيلية أصبحت أكثر وضوحًا منذ تصريح وزير الدفاع إسرائيل كاتس بأن الانسحاب من جنوب لبنان مرتبط بنزع سلاح حزب الله. وحزب الله بدوره يرفض تسليم ورقة القوة قبل الانسحاب؛ بينما الدولة اللبنانية عالقة بين هذه الأطراف. وهذا ما قد يسرّع وتيرة الحسم إسرائيليًّا لأنّ الانتظار لإسرائيل هو عامل قاتل بطيء.
وما غيّر الحسابات اللبنانية مباشرة هو انتهاء الهدنة الأميركية – الإيرانية من دون اتفاق جديد، فيما أعلن ترامب أنه لا توجد حاليًّا محادثات مع إيران، بينما تقول طهران إنّ مضيق هرمز لا يزال مغلقًا وفقًا لشروطها. بينما ترامب أعلنه أرضًا أميركيّة جديدة من خلال منشور على منصّته.
فلبنان لم يعد يتفاوض في ظل أزمة إسرائيلية – لبنانية، بل في ظلّ احتمال عودة التصعيد الأميركي-الإيراني في أيّ لحظة. فإذا عادت المواجهة بين واشنطن وطهران، فإن السؤال يصبح: هل يستطيع حزب الله أن يبقى خارج المواجهة، بينما يجري في الوقت نفسه الضغط عليه لنزع سلاحه؟ وهنا تكمن خطورة علي الطاهر وفشل مهمّة كوشنير وانتهاء الهدنة الأميركية – الإيرانيّة. وهنا بالتّحديد قد يكون لبنان أمام احتمال الانتقال من مرحلة التفاوض على تنفيذ اتفاق الإطار إلى مرحلة إعادة التفاوض على الاتفاق نفسه.
إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير