
مدير التحرير
التصعيد جنوبًا يحرج أم يخرج لبنان؟
خاص بوابة بيروت
قصف وتفجير وجرف والنّزف مستمرّ ويتزامن جنوبًا مع تحرّكات ميدانيّة واسعة في محيط تلّة علي الطّاهر التي فشلت منظّمة حزب الله بإدخال الأدوية والأمصال إليها عبر المسيّرات التي تمّ إسقاطها. وهذا ما ينذر بأنّ الدّاخل في خطر على وقع الحصار من الخارج.
وعلى ما يبدو أنّ الموجودين سيخرجون أفقيًّا وليس عموديًّا. وذلك لأنّ معظم المصادر الأمنيّة تؤكّد أنّ طبيعة هذه التحرّكات هي تمهيد لعمل عسكريّ ضخم. وهذا ما سيؤدّي إلى تشكّل واقع أمنيّ جديد سيفرض بالقوّة. وهذا ما سيوظّف مفاوضاتيًّا في روما القادمة، وسياسيًّا لصالح نتانياهو في انتخاباته القادمة.
وسط هذه التطوّرات برزت دعوة الرّئيس اللبناني إلى اللبنانيين للوحدة والصمود في مواجهة الاعتداءات الإسرائيلية والأزمات الاقتصادية والمعيشية. فيما الحقيقة في مكان آخر، لأنّ الوحدة التي يعوّل عليها فخامته لمواجهة الاعتداءات الاسرائيليّة قد سقطت بالضربة القاضية بعد إعلان مَن تبقّى من قادة المنظّم عن الغضب الآتي الذي سيتفجّر في الدّاخل.
أمّا الصمود الاقتصاتدي والمعيشي فهو في صلب المرحلة الحرجة اقتصاديًّا، ولا سيّما أنّ ما كان ينطبق على الحرس الثوري سينطبق على منظّمة حزب الله بعد القرار الأميركي الأخير. معطوف على ذلك، عمليّة الانزال الاقتصادي التي أعلنها وزير الخزانة الأميركية سكوت بيسنت. فهذه العمليّة التي شبّهها بعمليّة إنزال النورمادي التي حرّرت فرنسا عسكريًّا. مفاعيلها نفسها ستكون على إيران ولكن من البوابة الاقتصاديّة. وزاد على ذلك أنّ أيّ كيان أو دولة ستسهّل عمليّة غسل الموال نيابة عن إيران ستخضع لمفاعيل هذا الاقتصادي.
لذلك، برزت أيضًا أولويّة إصلاح القطاع المصرفي، ولا سيّما بعد ترحيب صندوق النقد الدولي بالتعديلات على قانون معالجة أوضاع المصارف، مع تأكيد أن التنفيذ وقانون استرداد الودائع سيبقيان اختبارين أساسيين لأي مسار إنقاذ مالي. ولا يشكّ أيّ عاقل في أنّ الدّولة التي لم تستطع أن تنفّذ قراراتها السياسيّة بنزع السلاح أنّ÷ا ستستطيع نزع الأموال المنهوبة من الذين يحميهم هذا السلاح عينه. وهذا يعني عمليًّا أنّ لبنان الاقتصادي سيكون خاضعًا لمفاعيل الانزال الاقتصادي الأميركي.
وهذه التطوّرات كلّها أدّت إلى طرح منظّمة حزب الله إمكانيّة فتح قناة مع واشنطن. نتيجة لما تداولته بعض وسائل الاعلام عن موقف عضو المجلس السياسي في حزب الله محمود قماطي الذي أفاد بأن الحزب لم يغلق نهائيًا الباب أمام التواصل المباشر مع الأميركيين، وأن الأمر يرتبط بالظروف والمصلحة. ما دفع واشنطن إلى المسارعة بنفي ذلك. فأقفلت باب التفاوض مع الحزب ودحضت كلّ التصريحات التي صدرت مؤخّرًا حول ذلك. وأيّ بحث لسحب بساط التفاوض المباشر من الدّولة اللبنانيّة ليتحوّل إلى تفاوض غير مباشر بيد منظّمة حزب الله هو ساقط أبريوريًّا.
فواشنطن تعلم أنّ المنظّمة لا تطرح هكذا طروحات إلّا نتيجة للتحوّلات العسكريّة في الميدان، معطوف عليها الضّغوط الاقتصاديّة. وواهم مَن يعتقد أنّ واشنطن اليوم قد تدخل في بازار تفاوضي أو حتّى تهادنيّ مع المنظّمة لأنّ القرار الجيوستراتيجي قد حسم لإسقاط إيران وقطع رأس الأفعى.
وغير مجدٍ محاولات المنظّمة كلّها في تبرير خطّ التواصل مع واشنطن. فيما يبدو أنّ المنظّمة فهمت متأخّرة ما يجب أن تقدّمه لواشنطن لكنّ الأوان فات. والعودة إلى الوراء لم تعد مجدية لا أميركيًّا ولا بالطبع إسرائيليًّا. وهذا كلّه نتج عن عمليّة الانزال الاقتصادي. ولا يبدو أنّ التهديدات المبطنة من الذين كانوا يدعمون إيران بشراء نفطها ستؤدّي إلى أيّ مكان، ولا سيّما بعد رفع السقف من قبل وزير الخزانة الأميركيّة.
خطورة ذلك تكمن في أن تتحوّل الدولة اللبنانيّة التي تفاوض إلى منطقة معزولة خارج الخرائط الإقليميّة التي ترسم؛ لتصبح بعدها لقمة سائغة للتقاسم بين قوى النّفوذ الصاعدة في المنطقة. وما يؤكّد على ذلك المحادثات السورية–الإسرائيلية بوساطة أميركية.
إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير