من تآكل #النظام الإقليمي إلى أزمة الكيان #اللبناني

#لبنان لا يحتاج إلى تسوية مؤقّتة لسفير، بل إلى إعادة النظر في العقد الذي يحكم علاقته بمكوناته. إنقاذًا لوحدته، من خلال تنظيمها على أسس أكثر حكمة وواقعيّة وعدالة، والانتقال الجدّي إلى دولة اتحادية حديثة، حيادية، من دون تقسيم أو تفكيك بل على العكس تمامًا، اتّحاد وتعاون وتنافس في بنية سياسيّة لامركزية. ماذا وإلّا…

افتتاحية #بوابة_بيروت بقلم مدير التحرير د. ميشال الشمّاعي

@DRMICHElCHAMMAI

تشير الوقائع كلّها إلى أنّنا بتنا أمام انهيار المفاهيم التي حكمت العلاقة بين الدّولة والقوة المسلّحة، وبين السيادة والتزلّم للنّفوذ الخارجي، فضلًا عن أمن الدّول والالتزام بسياساتها أو الارتهان للمشاريع الإيديولوجيّة العابرة للجغرافيا. وهذا بحدّ ذاته تآكل بنيويّ للنّظام الذي حكم منطقتنا بعد العام 1945. ولم يعد بالامكان احتواء الأزمات بالتّهدئة المؤقتة أو التّفاهم الدّولي المحدود.

فلبنان اليوم يدفع ثمن عجزه عن حسم مكانة أولويّته ما بين المصلحة الوطنيّة أو المحور الإقليمي؛ أو حتّى بين الشرعيّة الدّستوريّة أو شرعيّة القوّة المسلّحة غير الشرعيّة. والخطير في ذلك هو الاستمرار في هذا العجز لأنّه تحوّل إلى مسألة مصيريّة تتّصل بمصير الكيان برمّته.

قواعد الاشتباك القديمة تآكلت بفعل التفوّق التكنولوجي. حيث تفوّقت التكنولوجيا على الإيديولوجيا. وما بين اختبار الرّدع الفاشل الذي تحوّل مع مرور الزمن إلى نظام موازٍ للدولة، والحرب المفتوحة التي تحوّلت مع الزّمن نتيجة لهذا الرّدع الفاشل، اتّضح أنّ لبنان لم ينجح أصلًا في بناء الدّولة التي تحتكر قرارها السيادي. حتّى أنّه بات هذا المفهوم مدعاة سخرية وتخوين وعمالة من قبل رافضيه ومانعيه وممانعيه.

فضلًا عن رهن مصير الدّولة اللبنانيّة بالكامل لمبدأ ” وحدة الساحات” تعبيرًا عن قوّة إقليميّة متكاملة ثبُتَ سقوطها عند أوّل اختبار لأنّها جعلت من الدّولة جزءًا من صراع غير قادرة على التّحكّم بمواقيته وشروطه ونتائجه. فدفع لبنان أثمان حرب لا يملك قرارها. وصار كلّ شيء فيه من اقتصاد وأمن وحتّى عسكر رهنًا للحسابات الإقليميّة التي تخطّت حدود المصلحة الوطنيّة. فسقطت القدرة على إدارة الأزمات اليوميّة، وسقطت السلطة المركزيّة التي لم تعد قادرة على التّعايش مع الفطريّات العسكريّة.

وهنا بالتّحديد برز التناقض البنيوي بين شكل الدّولة وحقيقة وجودها. فغاب الانتماء الوطني وسقطت الحكمة في زمن قلّ فيه الحكماء. وانتقلت الدّولة من الهشاشة إلى الفشل، لأنّها باتت عاجزة عن تنفيذ سياساتها، حتّى أنّ هويّتها الاستراتيجيّة سقطت عند أعتاب ارتهان أزلام أشباه رجال فيها للمشاريع الإقليميّة على حساب المشروع الوطني الوحيد.

فكيف يمكن إصلاح اقتصاد دولة لا تملك قرار الحرب والسلم؟ أو كيف يمكن جذب الاستثمارات في ظلّ دولة غير قادرة على تثبيت الاستقرار السياسي والأمني؟ حتّى إنّ المؤسّسات باتت محكومة بموازين القوى بين الجماعات السياسيّة من جهة، أو بين هذه الجماعات وولاءاتها من جهة أخرى.

فأزمتنا الاقتصاديّة بعيدة من تآكل المحور الإقليمي، وجوهرها أزمة تآكل بنيويّ للدولة اللبنانيّة بحدّ ذاتها. حتّى لو بدت في ظاهرها ماليّة ونقديّة. وكلّ ما حصل من غياب للثقة في القطاع المصرفي أنتج نزيفًا من الهجرة التي لا يبدو أنّها ستتحوّل إلى هجرة عكسيّة مع مرور الزّمن، هذا كلّه نتيجة غياب للعقد السياسي الحديث الذي يحدّد بوضوح ما هي الدّولة اللبنانيّة؟ من يحكمها؟ ما حدود سلطتها؟ ما خياراتها الاستراتيجيّة؟

وهذا ما يطرح على بساط البحث أهمّ أسباب تآكل النّظام اللبناني إذ تحوّل إلى مجرد قاعدة متقدمة في مواجهة إسرائيل. فيما أنّه لا ينبغي أن يكون مجرد ساحة خلفية في صراع المحاور. فلبنان مجتمع متنوع واقتصاد صغير ومفتوح، وبلد شديد الحساسية تجاه أي اضطراب أمني. وهذا ما سبّب ما نعيشه اليوم. لذلك، أيّ عمليّة ربط لمستقبل لبنان باستراتيجيّات إقليمية مفتوحة هو في صلب تكوين مبدأ تقويض الدّولة، وبالتّالي موت الوطن.

ولعلّ الخطأ الذي نعيش عواقبه راهنًا، هو نتيجة اعتقاد القوى الفاعلة في المنطقة، من إسرائيل إلى تركيا مرورًا بالدّول العربيّة التي تسعى لربط مصائرها بتحالفات في ظاهرها اقتصاديّ، لكن باطنها دينيّ إثنيّ محض، أنّ القوّة العسكريّة قادرة وحدها أن تصنع نظامًا إقليميًّا جديدًا، ينتج بدوره نظمًا سياسيّة مستدامة. وسط هذا المبدأ لا وجود لأيّ لبنان. فكلّ الصراعات الدّائرة في المنطقة إن لم تتبعها رؤية سياسيّة واضحة، فهي ستترك وراءها فراغًا، وهذا الفراغ غالبًا ما سيولّد صراعات جديدة قد نعرف بداياتها لكن نهاياتها حتمًا قاتمة ومجهولة.

فالصمود وحده لا يشكل استراتيجية. لأنّه ليس مشروعًا سياسيًّا، وتحمل الخسائر ليس بديلاً من تحديد الأهداف القابلة للتحقق. وها قد دفعنا اليوم والأمس أثمانًا باهظة للسياسات التي رفعت الشعارات الكبرى من دون أن تقدّم رؤية للغد. ولسنا مضطرّين بعد اليوم لدفع المزيد. لأنّ الأخطر الذي نعيشه هو تحوّل إدارة الصراع إلى غاية تتقدّم على السلام بحدّ ذاته وبناء الدّولة.

فلبنان لا يحتاج إلى تسوية مؤقّتة لسفير، بل إلى إعادة النظر في العقد الذي يحكم علاقته بمكوناته. إنقاذًا لوحدته، من خلال تنظيمها على أسس أكثر حكمة وواقعيّة وعدالة، والانتقال الجدّي إلى دولة اتحادية حديثة، حيادية، من دون تقسيم أو تفكيك بل على العكس تمامًا، اتّحاد وتعاون وتنافس في بنية سياسيّة لامركزية. ماذا وإلّا …

إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير
اخترنا لك