ما بدّنا نشرب قهوة

خاص بوابة بيروت

كلّ يوم تتّضح الصورة أكثر فأكثر. المسار واضح. وهذا المسار بالتّحديد سيحدّد المصير. إمّا أنّ نكون كسويسرا التي هي أغنى دولة في العالم؛ برغم أنّه ليس لديها نفط، ولا ذهب، ولا منفذ إلى البحر، ومع ذلك فإن مواطنيها يكسبون أكثر من أي مكان آخر على وجه الأرض.

بلد صغير وجبلي، لا يملك موارد طبيعية كبيرة. قبل مئتي عام، كانت واحدة من أفقر دول أوروبا، وكان شعبها يهاجر إلى بلدان أخرى بحثًا عن العمل. أما اليوم، فالأمر معاكس تمامًا؛ إذ أصبحت سويسرا الوجهة التي يريد الجميع الوصول إليها. فما الذي فعلته بشكل مختلف؟ وما الذي يجب أن يفعله لبنان؟

إمّا أن يسلّم سلاحه حزب الله وإمّا لا قهوة عنده. صحيح أنّ “الولايات المتّحدة الأميركيّة مهتمّة بالوقوف إلى جانب لبنان وتحقيق سيادته” كما صرّح السفير الأميركي في زيارته لمفتي الجمهوريّة الشيخ عبد اللطيف دريان الذي اعتبر مواقفه متقاربة مع مواقف دولته. لكنّ هذا الاهتمام قد يتحوّل إلى جدول زمني واضح، لأنّ الولايات المتّحدة الأميركيّة تريد للبنان أن يكون كسويسرا لكن المهم أن يريد لبنان ذلك.

فسويسرا بنت ثلاث استراتيجيات للثروة تكاد لا تجتمع في أي دولة أخرى: السرية المصرفية الحديثة عام 1934، والحياد الاستراتيجي، والتعليم التقني المتخصص. أمّا نحن في لبنان فلم نأخذ من النّموذج السويسري سوى السرّيّة المصرفيّة وأسأنا استعمالها حتّى أصبح لبنان بأكمله مصنعًا لغسيل الأموال في العالم. وهذا أتى نتيجة لخروجه من مبدأ الحياد الذي نجح بممارسته من دون دسترته من الاستقلال حتّى العام 1969.

أمّا التعليم، فصحيح أنّ لبنان كان لفترة خلت جامعة الشرق الأوسط، لكنّ اليوم المسائل تغيّرت. والخطأ التخطيطي في مجال التّعليم إنّما نعيش تداعياته اليوم، حيث تكاد معظم المهن في لبنان بأيادٍ غير لبنانيّة، ولا سيّما مع وجود لاجئين فلسطينيين ونازحين سوريّين.

اليوم ما نعيشه أخطر بكثير من مجرّد أزمة سيادة حتّى، برغم أنّها الأخطر. إنّها أزمة “إنسان”. فكلّ ما يحدث اليوم هو نتيجة لتفريغ الإنسان من إنسانيّته ومن جدواه الحياتيّة. وهنا الصراع الحقيقي. بين الذي فقد إنسانيّته تحت ذريعة الموت تحضيرًا للآتي الذي لا يعرفه. أو ذلك الذي فقدها نتيجة اليأس الذي وضعه فيه هذا المنتظِر ذلك المنتظَر الذي لن يأتي. والفئة الثانية هي الفئة التي تصارع الحياة للحياة.

علي الطّاهر في الميدان أصبحت من علامات ظهور المنتظَر. مع العلم أنّها سقطت عسكريًّا. والمنتظَر أن يخرج من تربّص فيها أفقيًّا وليس عموديًّا. ” لننتظر ونرى” هكذا قال السفير الأميركي الذي زرع التّفاؤل بما كشفه عن أنّ “المناطق التجريبية تتقدم وكل ما يُحضّر على الورق يأخذ وقتًا للتنفيذ على الأرض”.

والطامة الكبرى في كلام عيسى برزت عندما سأل: “كل ما تطلبونه هو من إسرائيل. فلماذا لا تطلبون من الحزب أن ينزع سلاحه والدعم الذي تتلقوه ليس أزلي ؟” هذا وحده كفيل بأن يقرع ناقوس الخطر. فكلّ الزيارات التي يقودها فخامة الرّئيس، والقرارات السياسيّة التي يصدرها دولته وحكومته، تبقى بلا أيّ أثر طالما لم يتمّ حلّ الإشكاليّة اللبنانيّة – اللبنانيّة. لأنّ السلاح غير الشرعي بات هو المشكلة.

ولكأنّ السفير الأميركي يقول للبنانيين على قاعدة الآية” ” يا بنيّ طهّر بيتك” . فالبيت اللبناني هو بحاجة إلى إعادة بناء على الأسس السويسريّة من جديد. فالثروة لا تأتي من امتلاك موارد كثيرة، بل من معرفة كيفية حماية القليل الذي تملكه، ومن الابتعاد عن صراعات الآخرين، ومن تطوير مهارات متخصصة يحتاج إليها العالم، لكن قلّة فقط تتقنها.

مع العلم أنّ الأيّام أثبتت أنّنا نملك ثروات طبيعيّة وليس ثروة وحسب. فالمهمّة بمعرفة حمايتها أضحت أكبر بكثير من تلك التي كانت قبل المعرفة بها. أمّا صراعات الآخرين فوحدها الصيغة الحياديّة تحمي لبنان منها. ويبقى أنّ تطوير المهارات التي يحتاج إليها لبنان لن يتحقّق إلّا في ظلّ نظام سياسيّ يحترم حرّيّة المكوّنات الحضاريّة بالكامل. وليبقى هذا النموذج الكياني فلا بدّ من اتّحاد لبناني يجمع مَن يريد البقاء في لبنان.

أمّا دعاة التزلّم للخارج فنحن الذين لا نريد أن نشرب القهوة معهم. لقد قالها بصريح العبارة هذا الدّعم ليس أزليًّا. والعقوبات التي باتت منظّمة حزب الله تحت مقصلتها ستكون هذه الدّولة برمّتها أيضًا تحتها إن لم تحزم أمرها. الحلّ واضح. والطريق أوضح. والمسار سالك. والمصير شائك لأنّه بكلّ بساطة، حتّى الساعة … مَن يريد لا يريد.

شكراً لقراءة المقال... ولا تنسى مشاركته.

إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير

اخترنا لك