افتحوا الخزائن… رمزي خوري والصندوق القومي والخلاصة والمطالبة بالشفافية

"ج5" هنا يوجد «الصندوق» الذي يجب فتحه

خاص بوابة بيروت

وقد يكون اسم رمزي خوري أقل شهرة لدى المواطن الفلسطيني العادي من أسماء عباس والأحمد، لكنه من الناحية المالية يستحق ربما أكثر الأسئلة حساسية.

خوري ارتبط لسنوات طويلة بالصندوق القومي الفلسطيني، الذراع المالية لمنظمة التحرير. وإذا كان هناك مصدر واحد يجعلنا نتوقف طويلًا عند هذا الملف، فهو ليس منشورًا فلسطينيًا معارضًا ولا شهادة ضابط سابق. إنه الكونغرس الأميركي.

في وثيقة رسمية مرتبطة بمداولات الاعتمادات الخارجية الأميركية، طُرح سؤال عن كيفية تحويل منظمة التحرير أموالها، والبنوك المستخدمة، ودور الصندوق القومي الفلسطيني، وعن الحاجة إلى معرفة حساب ميزانية المنظمة. وكان الجواب مذهلًا.

ذُكر أن ميزانية منظمة التحرير لعام 2015 كانت تُقدّر بنحو 206 ملايين دولار، وأن الصندوق القومي يمول جزءًا منها. ثم جاءت العبارة الأخطر: إن الصندوق يقوده رمزي خوري، المقرب من محمود عباس، وإن إجمالي الأموال الموجودة في الصندوق غير معلوم، وإن عملياته غامضة وغير شفافة—opaque.

بل أُضيف أن مزيدًا من التفاصيل يمكن تقديمه لأعضاء الكونغرس وموظفيهم في إحاطة سرية. هذه ليست إدانة جنائية لرمزي خوري. لكنها قنبلة رقابية.

كيف يمكن أن تكون الذراع المالية لمنظمة التحرير، التي يفترض أنها ملك للشعب الفلسطيني وتمثل قضيته، بحجم مالي لا تعرفه حتى الجهات الأجنبية التي تمول وتراقب أجزاء مهمة من النظام الفلسطيني، وتوصف عملياتها في وثيقة أميركية رسمية بأنها غامضة؟

أين القوائم المالية الكاملة؟ أين تفاصيل الأصول؟ أين الحسابات المصرفية؟ أين الإيرادات؟ أين عائدات العقارات؟ ومن يملك سلطة التحويل؟ ومن يأمر بالصرف؟ ومن يراقب من يأمر ومن ينفذ؟

رمزي خوري ليس هامشًا في هذه القصة

ولهذا فإن تناول رمزي خوري في ملف الفساد الفلسطيني لا يحتاج إلى القول إن الرجل «سرق» مبلغًا معينًا دون دليل. موقعه وحده يفرض المساءلة.

عندما يكون الرجل في قلب المؤسسة التي تمر عبرها أموال منظمة التحرير الفلسطينية، بينما تقول وثيقة أميركية رسمية إن الحجم الإجمالي للصندوق غير معلوم وعملياته غامضة، يصبح السؤال عنه جزءًا جوهريًا من أي تحقيق في المال الفلسطيني.

خصوصًا عندما نتحدث بالتوازي عن ممتلكات للمنظمة في لبنان، وعمليات بيع وتسوية واستعادة أصول، وعن نفوذ سياسي متصاعد لياسر عباس في الملف اللبناني. لا نقول إن وجود هذه العناصر معًا يثبت جريمة. لكننا نقول إنها تجعل المطالبة بكشف الحسابات ضرورة وطنية.

أربعة أسماء.. ومنظومة واحدة من الأسئلة

ياسر عباس ليس مجرد ابن الرئيس بعد اليوم. إنه عضو اللجنة المركزية لفتح، ومفوض علاقاتها الخارجية، والممثل الخاص لمحمود عباس، ورجل حاضر في لبنان وعلى طاولة مسؤوليه.

طارق عباس ليس مجرد شقيقه، بل رجل أعمال ارتبط اسمه وشركاته منذ سنوات بأسئلة علنية وصلت إلى الكونغرس الأميركي.

عزام الأحمد ليس موظفًا عابرًا، بل واحد من رجال النظام السياسي الفلسطيني الذين أمسكوا لسنوات بملفات بالغة الحساسية، فيما تلاحقه وتلاحق محيطه اتهامات تحتاج إلى رد موثق لا إلى إنكار سياسي.

ورمزي خوري ليس محاسبًا خلف مكتب؛ إنه الرجل الذي ارتبط بإدارة الصندوق القومي الفلسطيني، المؤسسة التي وصفت وثيقة أميركية عملياتها بأنها غامضة وحجم أموالها بأنه غير معلوم.

هذه ليست أربعة ملفات منفصلة. إنها أربعة أبواب تقود إلى السؤال نفسه: من يراقب المال والسلطة داخل النظام الفلسطيني؟

محمود عباس.. المشكلة تبدأ من رأس النظام

ولا يمكن مناقشة كل ذلك وكأن محمود عباس خارج الصورة. الرجل انتُخب رئيسًا عام 2005 ولم يخضع منذ ذلك الوقت لانتخابات رئاسية جديدة.

ثم نرى ابنه ينتقل من عالم الأعمال إلى أعلى مؤسسة قيادية في فتح، ويصبح ممثلًا خاصًا له ويتولى ملفات حساسة في لبنان، بينما يواصل الأب الإمساك بمركز النظام السياسي.

حتى الصحافة الدولية باتت تناقش صعود ياسر ضمن سياق الخلافة السياسية والنفوذ العائلي، وليس مجرد ترقية تنظيمية طبيعية. لهذا فإن المشكلة ليست شخصًا اسمه ياسر عباس. المشكلة هي نظام سياسي تعطلت فيه آلية تجديد الشرعية الشعبية، ثم بدأ داخله صعود أفراد العائلة إلى مواقع النفوذ السياسي والاقتصادي.

افتحوا الصندوق.. ودعوا الوثائق تحكم

إذا كانت كل الاتهامات المثارة حول المال الفلسطيني كذبًا وافتراءً، فإن الطريق إلى إسقاطها ليس بالبيانات ولا بالتخوين ولا بملاحقة من يطرح الأسئلة؛ بل بشيء واحد بسيط: الشفافية.

افتحوا الصندوق القومي الفلسطيني أمام تدقيق مالي مستقل ومحايد، وانشروا حساباته وتقاريره المالية كاملة.

اكشفوا ممتلكات منظمة التحرير الفلسطينية في لبنان وسائر الدول، والعقارات التي جرى التصرف بها أو بيعها منذ عام 2005، ومساحاتها وأرقام سجلاتها وقيم البيع والجهات التي اشترتها.

اكشفوا أين ذهبت أثمان تلك الممتلكات، وما الحسابات التي استقبلتها، ومن يملك صلاحية التوقيع عليها، وبأي قرارات تمت عمليات البيع والصرف والتحويل.

وانشروا، وفق قواعد الإفصاح وتضارب المصالح، المصالح التجارية للمسؤولين وأقاربهم متى تقاطعت مع المال العام أو مؤسسات منظمة التحرير والسلطة الفلسطينية.

لا نطلب إدانة أحد بلا دليل؛ نطلب فتح الدفاتر. فإن كانت الأموال قد أُديرت وفق القانون ولصالح الشعب الفلسطيني، فستكون الوثائق أقوى براءة لأصحابها. وإن كانت هناك تجاوزات أو مخالفات، فلن نحتاج إلى خصومة سياسية كي نثبتها؛ الأرقام والعقود والتحويلات والسجلات ستتكلم وحدها.

أما مطالبة الفلسطيني بالثقة العمياء في إدارة أموال وممتلكات تخص شعبًا بأكمله، بينما تبقى قطاعات واسعة من هذه الإدارة بعيدة عن الرقابة العامة الفعلية، فليست جوابًا على أسئلة الفساد، بل سببًا إضافيًا للإصرار على الشفافية والمساءلة.

الشعب الفلسطيني ليس شركة خاصة. ومنظمة التحرير ليست ملكية عائلية. وحركة فتح ليست إرثًا سياسيًا ينتقل من الأب إلى الابن. والصندوق القومي الفلسطيني ليس خزنة مغلقة؛ إنه مال شعب، ومن حق الشعب أن يعرف أين أمواله، ومن يديرها، وكيف تُصرف، وإلى أين تذهب.

الملف لم يُغلق.. بل بدأ

هذه ليست أموالًا خاصة ولا ممتلكات عائلية، وليست مؤسسات يملكها من يجلسون في مواقع القرار. هذه مؤسسات وأموال وحقوق تخص الشعب الفلسطيني، ومن حق الفلسطينيين أن يعرفوا كيف أُديرت، وأين ذهبت، ومن استفاد منها، ومن كان يملك سلطة القرار والتوقيع والتصرف بها.

ولهذا فإن الأسئلة التي تلاحق محمود عباس ونجليه ياسر وطارق، وكل من تولى مسؤولية سياسية أو مالية في هذه المنظومة، لن تسقط بالصمت ولا بالتخوين ولا بمهاجمة من يفتح الملفات: من أين جاءت الأموال؟ أين ذهبت؟ من أدارها؟ من استفاد منها؟ من وقّع؟ ومن راقب؟

وحتى تُفتح الحسابات والسجلات والعقود أمام تدقيق مستقل وشفاف، ستبقى هذه الأسئلة مشروعة، وسيبقى طرحها واجبًا صحفيًا لا يجوز دفنه خلف المنصب أو النفوذ أو اسم العائلة.

لكن هذا التحقيق لا ينتهي هنا. قريبًا، في الجزء الثاني من هذا التحقيق الاستقصائي، نفتح ملف عزام الأحمد وشقيقه، وملف رمزي خوري، ودوره في الصندوق القومي الفلسطيني وشبكة إدارة المال والقرار، وما يرتبط بهذه الملفات من وقائع ووثائق وسجلات سنضعها أمام الرأي العام كما هي، ونترك للوثيقة أن تقول كلمتها.

فمن يعتقد أن هذه الملفات يمكن أن تبقى إلى الأبد خلف الأبواب المغلقة، عليه أن يدرك أن زمن الأسئلة بدأ، وأن كل وثيقة قابلة للتحقق هي حق للرأي العام، وكل مال عام يستوجب حسابًا، وكل مسؤولية عامة تستوجب مساءلة.

فالمال الفلسطيني ليس سرًا من أسرار السلطة، بل حق من حقوق الشعب. وهذا التحقيق لم يُغلق بعد.

الوثائق الداعمة للتحقيق

مرفق بهذا التحقيق الاستقصائي عدد من الوثائق والمصادر الأصلية التي استند إليها التقرير، ونضعها أمام القارئ للاطلاع والتحقق المباشر من المعلومات الواردة فيه، وتشمل:

محضر جلسة لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ الأميركي – 21 مارس/آذار 2024، بعنوان Implementation of the U.S. Anti-Corruption Strategy، رقم الجلسة S. HRG. 118–400، والصادر رسميًا عن الكونغرس الأميركي.

محضر جلسة لجنة الشؤون الخارجية في مجلس النواب الأميركي – 14 سبتمبر/أيلول 2011، بعنوان Promoting Peace? Reexamining U.S. Aid to the Palestinian Authority, Part II، رقم Serial No. 112–68، والمتضمن مناقشات وشهادات بشأن السلطة الفلسطينية والمساعدات الأميركية.

الحكم الرسمي لمحكمة الاستئناف الأميركية لدائرة مقاطعة كولومبيا في قضية Yasser Abbas v. Foreign Policy Group, LLC and Jonathan Schanzer، رقم 13-7171، الصادر في 24 أبريل/نيسان 2015، والمتعلق بدعوى ياسر عباس على خلفية التحقيق الذي تناول ثروته وثروة شقيقه طارق ومصادرها المحتملة.

تحقيق صحيفة Le Monde المستند إلى وثائق بنما (Panama Papers)، المنشور في 15 أبريل/نيسان 2016، بشأن الأموال والمصالح الخارجية المرتبطة بالسلطة الفلسطينية، والذي وثق امتلاك طارق عباس أسهمًا في شركة APIC المسجلة في جزر العذراء البريطانية.

الدراسة الأكاديمية “Profit over Palestine: Cronyism, Monopolies, and Patronage” للباحثين طارق دانا ورامي سلامة، الصادرة ضمن كتاب De/Colonising Palestine عن Graduate Institute Publications – جنيف، والمنشورة على OpenEdition Books في 21 مايو/أيار 2025، وتحمل DOI: 10.4000/13zm4.

إن إرفاق هذه الوثائق ليس للزينة ولا للاستشهاد الشكلي؛ بل حتى يكون القارئ شريكًا في التحقق، ويستطيع العودة إلى النصوص الأصلية ومقارنة ما ورد فيها بما أورده هذا التحقيق. نحن لا نطلب من أحد أن يصدقنا على الثقة؛ نطلب منه أن يقرأ الوثائق.

شكراً لقراءة المقال... ولا تنسى مشاركته.

إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير

اخترنا لك