LEBTECH 2026… لبنان يكتب فصلاً جديداً من مستقبله الرقمي

من الذكاء الاصطناعي والمدن الذكية إلى التعليم و الإعلام و الحوكمة الرقمية

خاص بوابة بيروت

بينما يحاول لبنان استعادة عافيته والنهوض من تحت ركام أزماته المتلاحقة، تُكتب اليوم فصول جديدة تحمل الكثير من الأمل. فصول لا تعتمد فقط على إعادة بناء الحجر، بل على الاستثمار في الإنسان، والمعرفة، والابتكار، والقدرة على تحويل التكنولوجيا إلى وسيلة لتحسين حياة المواطنين وبناء دولة أكثر فاعلية وشفافية.

من هنا، شكّل مؤتمر «LEBTECH 2026»، الذي أُقيم بين 28 و30 آب في فندق Le Royal في ضبيّة، مساحة وطنية جمعت أهل الاختصاص وصنّاع القرار وروّاد الأعمال والشركات التكنولوجية والمؤسسات التعليمية والإعلامية، تحت عنوان عريض هو: صياغة مستقبل التكنولوجيا في لبنان وما بعده.

وقد أُقيمت النسخة السادسة من المؤتمر برعاية رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون، وبمشاركة ممثلين عن وزارات وإدارات رسمية وشركات لبنانية وعالمية وخبراء ومستثمرين ومؤسسات أكاديمية وشركات ناشئة.

وبحسب المنظّمين، ضمّ الحدث أكثر من 110 شركات تكنولوجية، وأكثر من 80 متحدثاً، إلى جانب أكثر من 40 شركة ناشئة و30 مستثمراً، فيما توزّعت أعماله على جلسات حوارية ومعارض وورش تطبيقية ولقاءات مهنية ومسابقة «Startup World Cup». وقد حضرت شركتا Cisco وBank of Beirut بين الشركاء الداعمين الرئيسيين، إلى جانب شراكات مع جهات رسمية ومهنية وتكنولوجية، من بينها وزارة الدولة لشؤون التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، ومكتب وزير الدولة لشؤون التنمية الإدارية، ونقابة المعلوماتية والتكنولوجيا في لبنان، والجمعية اللبنانية لخبراء المحاسبة المجازين.

التكنولوجيا شريك في إعادة بناء الدولة

أبرز ما ميّز LEBTECH 2026 أنه لم يتعامل مع الذكاء الاصطناعي بصفته اتجاهاً تقنياً معزولاً، بل بوصفه جزءاً من عملية إعادة تنظيم الدولة والاقتصاد والتعليم والخدمات العامة.

ناقشت جلسة «مركز البيانات الوطني، وجزر البيانات، والتكامل البرمجي بين الإدارات الحكومية» الحاجة إلى ربط المؤسسات الرسمية ضمن بنية رقمية مشتركة، بدلاً من استمرار كل إدارة في العمل داخل نظام منفصل. فالدولة الرقمية لا يمكن أن تقوم من دون بيانات منظّمة وآمنة، وقدرة على تبادل المعلومات وتقديم خدمات أسرع وأكثر وضوحاً للمواطن.

كما تناولت جلسة «Dawlati: تسريع التحول الحكومي الرقمي في لبنان»، التي استضافها مكتب وزير الدولة لشؤون التنمية الإدارية، الانتقال من الخطط العامة إلى الخدمات الفعلية. وشارك فيها ممثلون عن شركة Intalio ووزارات الزراعة والسياحة والداخلية والبلديات ووزارة الدولة لشؤون التنمية الإدارية.

وأكدت محاور الجلسة أن الرقمنة ليست مجرد تحويل المعاملات الورقية إلى ملفات إلكترونية، بل إعادة تصميم العلاقة بين المواطن والإدارة على أساس السرعة والشفافية وتبسيط الإجراءات، مع حماية البيانات وتحديد المسؤوليات.

المدن الذكية… التكنولوجيا في خدمة الإنسان والبيئة

توقفت جلسة «المدن الذكية: بناء مجتمعات مستدامة» عند الدور الذي تستطيع التكنولوجيا أن تؤديه في إدارة المدن والبلديات، بدءاً من الطاقة والنقل والنفايات، وصولاً إلى المياه والخدمات العامة والاستجابة للطوارئ.

وضمّت الجلسة جورج الخويري، المؤسس المشارك لـLEBTECH، والدكتورة ليندا قاسم، المستشارة في التشريعات الرقمية والسياسات العامة، وأنطونيو الصايغ، مؤسس ورئيس شركة Triple S، وكيفن عبدالله، مستشار التحول الرقمي في Intalio، وشربل متّى، مؤسس شركة Digitize.Technology، فيما أدارها الدكتور هشام عجيب.

وقد أظهرت المناقشات أن مفهوم المدينة الذكية لا يعني ملء الشوارع بالأجهزة والشاشات، بل استخدام البيانات بطريقة مسؤولة لمعرفة حاجات السكان، وترشيد الموارد، وخفض الهدر، وتحسين نوعية الخدمات والحياة.

فالمدينة لا تصبح ذكية لأن التكنولوجيا دخلت إليها، بل عندما تصبح أكثر قدرة على الإصغاء إلى الناس والاستجابة لحاجاتهم، وأكثر حفاظاً على البيئة وموارد الأجيال المقبلة.

مستقبل الإعلام بين الذكاء الاصطناعي والثقة

ومن أبرز جلسات اليوم الثاني جلسة «مستقبل الإعلام والمنصات الرقمية: الذكاء الاصطناعي، التنظيم، المسؤولية والثقة»، التي عُقدت يوم السبت 29 آب.

أدار الجلسة المهندس جورج عبدالله مفرّج، اختصاصي البيانات وذكاء الأعمال والذكاء الاصطناعي في شركة Cimenterie Nationale، ومؤسس DLKTV وGlam Media.

وشارك فيها كل من المديرة العامة لتلفزيون لبنان الدكتورة أليسار نداف، والخبيرة في تطوير الإعلام ومؤسسة ومديرة مؤسسة مهارات رولا ميخائيل، والصحافي ومقدم الأخبار بسام أبو زيد، والرئيس التنفيذي لشركة Points Information Technology ورائد التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي بلال قصاصير، والمستشار الإعلامي لوزيرة التربية والتعليم العالي الدكتورة ريما كرامي، ألبير شمّون.

تناولت الجلسة التحولات المتسارعة التي يشهدها الإعلام مع دخول الذكاء الاصطناعي إلى غرف الأخبار وصناعة المحتوى وتحليل الجمهور. وفي مقابل ما توفره هذه الأدوات من سرعة وقدرة على البحث والمعالجة والإنتاج، برزت أسئلة أساسية حول المصداقية، ودقة المعلومات، وحقوق الملكية الفكرية، وحماية الخصوصية، وحدود مسؤولية المؤسسات والمنصات.

كما ركّز المشاركون على الحاجة إلى أطر تنظيمية واضحة تساعد في مواجهة الأخبار المضللة والمحتوى المصطنع والتزييف العميق، من دون أن تتحول هذه الأطر إلى وسيلة لتقييد حرية التعبير.

فالذكاء الاصطناعي يستطيع مساعدة الصحافي، لكنه لا يستطيع أن يحلّ مكان الضمير المهني. وقد تصبح التكنولوجيا أسرع من قدرة الإنسان على المتابعة، إلا أن الحقيقة والمسؤولية والثقة تبقى قيماً إنسانية لا يمكن للآلة أن تحملها وحدها.

التعليم وسوق العمل الجديد

حضر التعليم بقوة في المؤتمر من خلال جلسة «التحول الرقمي في التعليم»، التي استضافتها وزارة التربية والتعليم العالي، بمشاركة غريس صوان من المركز التربوي للبحوث والإنماء، وغريس تلج من وحدة تكنولوجيا المعلومات والاتصالات في الوزارة، والدكتورة ليال ربيع، مديرة برنامج التحول الرقمي، وبإدارة أدريانا بو ديوان.

ناقشت الجلسة كيفية إدخال التكنولوجيا إلى المناهج والصفوف، مع التأكيد أن التحول المطلوب لا يقتصر على تزويد المدارس بالأجهزة، بل يشمل تدريب المعلمين، وتطوير المحتوى، وتعزيز التفكير النقدي، وضمان وصول الطلاب إلى الأدوات الرقمية بصورة عادلة.

وفي جلسة «مهارات المستقبل: ردم الفجوة بين التعليم وفرص العمل»، شارك النائب الدكتور إدغار طرابلسي، والدكتورة أورسولا الحاج من جامعة القديس يوسف، ونعمة طوق مؤسس Valoores، والدكتور ديفيد متّى مؤسس The Z Connect، وفؤاد عبدالله من الجامعة الأنطونية، وأدارها الدكتور إيلي مسلّم.

وتمحور النقاش حول الفجوة بين ما يتعلمه الطلاب وما يحتاج إليه سوق العمل، وضرورة الجمع بين المهارات التقنية والقدرات الإنسانية، مثل التواصل والإبداع والمرونة والذكاء العاطفي والعمل الجماعي.

التكنولوجيا التي تنقذ الحياة

خصص المؤتمر مساحة لقطاع الصحة وإتاحة التكنولوجيا للأشخاص الذين يواجهون تحديات جسدية أو اجتماعية، من خلال جلسة «ما وراء القيود: التكنولوجيا تعيد تعريف إمكانية الوصول»، إلى جانب محور الابتكار الطبي والتكنولوجيا المنقذة للحياة.

شارك في الجلسة جو رحال، مؤسس مؤسسة جو رحال، والدكتورة سينتيا أبي خليل، المتخصصة في المعلوماتية الطبية والذكاء الاصطناعي والصحة الرقمية، وهاني نصار، مؤسس جمعية بربارة نصار لدعم مرضى السرطان، والكابتن الصيدلي أسعد ريس، والدكتورة سالي حمود، الباحثة والاستراتيجية في الذكاء الاصطناعي، وأدارها بوب دباس.

وقد عكست هذه الجلسة الوجه الإنساني الحقيقي للتكنولوجيا: عندما تساعد مريضاً على الوصول إلى رعاية أفضل، أو تمنح شخصاً من ذوي الإعاقة استقلالية أكبر، أو تساهم في التشخيص المبكر، أو تقرّب الخدمات الصحية من المناطق البعيدة.

من يوقّع عندما تتخذ الآلة القرار؟

طرحت جلسة الجمعية اللبنانية لخبراء المحاسبة المجازين سؤالاً بالغ الأهمية: «عندما تتخذ الآلة القرار، مَن يوقّع؟».

شارك فيها الدكتور أندريه غولام، رئيس فرع ISACA في لبنان، والدكتور عبدالله زيادة، وغسان أبو عضل، عضو مجلس هيئة الأسواق المالية، وسيمون صفير من مجلس الجمعية اللبنانية لخبراء المحاسبة المجازين.
,
وسلّطت الجلسة الضوء على ضرورة بقاء المسؤولية واضحة عندما تدخل الخوارزميات في المحاسبة والتدقيق والتحليل المالي. فالآلة تستطيع قراءة آلاف السجلات واكتشاف أنماط غير ظاهرة، لكنها لا تتحمل وحدها المسؤولية القانونية والأخلاقية عن القرار النهائي.

وفي السياق نفسه، ناقشت إحدى الجلسات مستقبل التشريعات الرقمية واستعداد الدولة للحوكمة المدعومة بالذكاء الاصطناعي، فيما تناولت جلسة الأمن السيبراني مدى استعداد المؤسسات اللبنانية لمواجهة الاختراقات والتهديدات الجديدة.

وشارك في جلسة الأمن السيبراني طوني فغالي، الرئيس التنفيذي لشركة POTECH، وملحم من Data Consult، وطوني عازار، مستشار الأمن السيبراني في وزارة التربية، وعبدو شلهوب، المتخصص في أمن المعلومات، بإدارة شربل متّى.

مستقبل لا يُبنى بالتكنولوجيا وحدها

قد تجعل تكنولوجيا المعلومات حياتنا العملية أسرع وأكثر دقة وإنتاجية، لكنها ليست غاية بحد ذاتها. القيمة الحقيقية تبدأ عندما تُستخدم لتخفيف معاناة الناس، وتسهيل معاملاتهم، وتحسين تعليمهم وصحتهم، وحماية حقوقهم وبيئتهم.

والمشهد الذي قدّمه LEBTECH 2026 يؤكد أن لبنان ما زال يمتلك العقول والخبرات والشركات القادرة على المنافسة وصناعة الفرق. إلا أن تحويل هذا النشاط إلى نهضة وطنية يحتاج إلى رؤية مستمرة، وتشريعات حديثة، وبنية تحتية موثوقة، واستثمار في الشباب، وتعاون حقيقي بين الدولة والقطاع الخاص والجامعات والمجتمع المدني.

لقد كانت أيام المؤتمر الثلاثة أشبه بصورة مصغّرة عن لبنان الذي نستطيع بناءه: دولة تتعلم من خبرات أبنائها، وتربط الإدارات بدل أن تعزلها، وتحوّل المعرفة إلى فرص عمل، وتضع الابتكار في خدمة الإنسان.

لبنان الذي خرج مرات كثيرة من تحت الركام يستطيع أن يبدأ من جديد. لكن هذه المرة، لا بد أن تكون المعرفة حجر الأساس، والإنسان محور التطور، والثقة الجسر الذي يصل التكنولوجيا بالمجتمع.

من لبنان إلى واشنطن… جسور مع الاغتراب

وفي كلمته خلال المؤتمر، ركّز الدكتور حكمت بعيني على أهمية جمع الكفاءات اللبنانية المنتشرة حول العالم، ولا سيما العاملة في مجالات الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا، وربط خبراتها وشبكاتها الدولية بالمؤسسات والمبادرات الناشئة في لبنان.

كما أشار إلى المؤتمر الذي يعمل على تنظيمه في واشنطن خلال شهر تشرين الأول، في خطوة تهدف إلى توسيع هذا التواصل وفتح مساحات جديدة للتعاون وتبادل المعرفة وبناء الشراكات بين لبنان وطاقاته الاغترابية.

وتحمل هذه المبادرة رسالة واضحة: إن العقول اللبنانية التي نجحت في الخارج لا ينبغي أن تبقى بعيدة عن مسيرة النهوض في وطنها، بل يمكن أن تشكّل جسراً للاستثمار والابتكار ونقل الخبرات، وأن تساعد لبنان على الانتقال من استهلاك التكنولوجيا إلى المشاركة في صناعتها.

فالمستقبل لا ينتظر أحداً، والتكنولوجيا تتحرك بسرعة قد تتجاوز أحياناً قدرة العقل البشري على الاستيعاب. لذلك، يبقى السؤال الأهم: هل سنكتفي بمشاهدة هذا التحول، أم سنشارك في توجيهه وصناعة ملامحه بما يحفظ كرامة الإنسان ويبني وطناً أكثر عدالة وذكاءً وسلاماً؟

شكراً لقراءة المقال... ولا تنسى مشاركته.

إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير

اخترنا لك