الخفة في تعامل “اليسار” اللبناني مع الفكر الديني
–
يتعامل “اليسار” اللبناني مع الفكر الديني بخفة. بمعنى انه لا يعطيه حقه كعامل مؤثر في الحياة الاجتماعية والاقتصادية والوطنية.
تظهر هذه الخفة في مقاربات هذا “اليسار” للطائفية وللعلمانية على حد سواء. اتوخى في هذا النص القصير تبيان هذه الخفة وليس طرح بديل تحليلي منها اكثر جدية وموضوعية. فربما كان ذلك في نص آخر.
ينبذ هذا “اليسار” الطائفية ويطالب بإلغاء النظام الطائفي لكنه لا يجرؤ على نقد الفكر الديني، كما فعل مثلا مفكرون سوريون، بحجة أن الطائفية ظاهرة اجتماعية- سياسية تتلطى بالدين ولا علاقة لها بتعاليمه الا سطحيا؛ وكأن مجتمعنا لا ترتفع في كل زاوية منه كنيسةٌ او جامعٌ او الإثنين معا جنبا الى جنب؛ وكأن شعبنا لم يتشكل تاريخيا في مجموعاته المذهبية حول المؤسسات الدينية؛ وكأن سلوكه وطرق تفكيره منذ الولادة وحتى الممات، في العائلة وفي المدرسة خاصة، لا تحددها قواعد وقيم دينية؛ وكأنه يلتقي في ساحات القرى والبلدات لمناقشة أوضاعه الاجتماعية والبلدية والوطنية وليس للاحتفال بالأعياد الدينية.
وإذ تُطرح العلمانية كبديل عن النظام الطائفي، يجري طرحها بدون المس بالفكر الديني، على اعتبار انها بناء سياسي يفصل الدين عن الدولة ولا يحتاج الى استبدال القيم والسلوكيات الدينية بقيم وسلوكيات علمانية نقيضة في الكثير من الأحيان. وفي حين لم يكن ممكنا في الغرب إرساء نظام علماني بدون صراع دموي مع سلطة الكنيسة، يأتي الترويج للعلمانية عندنا كنتيجة حتمية لإلغاء الطائفية عن طريق الصراع السياسي البرلماني او عن طريق الحرب بين مكونات طائفية، تتصارع على النفوذ وتستبدل العلمانية بإلغاء الطائفية السياسية وابقائها على المستوى الاجتماعي.
اميل الى الاعتقاد أن التعاطي بخفة مع مسألة الفكر الديني، يتسبب به عاملان رئيسيان محليان: أولا الخوف من الاصطدام بالاقتناعات الجماهيرية، لا سيما حين تتحول الى عقيدة شمولية يحمل لواءها حزب ديني مسلح مثل حزب الله. وهذا ما حصل مثلا حين وضع الحزب الشيوعي صورة لشهيدة من جبهة المقاومة الوطنية في بلدات جنوبية واعترض عليها حزب الله لأن المرأة لم تكن محجبة فاضطر الى تغيير الصورة والباس المرأة الشهيدة كوفية فلسطينية على رأسها ؛ ثانياً تحاشي الغوص في مسائل قد تؤجج الحساسيات المذهبية والطائفية وتفرض على الذين يناقشونها بموضوعية المخاطرة بمقارنات بين الأديان من حيث علاقتها بالقيم العلمانية، فيظهر دين أكثر انفتاحا من الدين الآخر، بحكم تعرضه للانتقاد والثورة تاريخيا، وهذا ما لا يحبذه علمانيون مهجوسون بعدم الانحياز إلى دين دون آخر، حفاظا على شروط “الوحدة الوطنية”.
وربما كانت هذه الخفة في جذورها مرتبطة بالنظرة الماركسية للدين. فعندما يقرأ يساريون كارل ماركس يرددون بعده بكل ثقة وبصوت عالٍ ان الدين أفيون الشعوب، وهي جملة مجتزأة من قول ماركس ان “الدين هو زفرة الخليقة المقهورة، وهو مزاج عالَم بلا قلب، وهو الرّوح لأحوال بلا روح، إنّه أفيونُ الشعوب».
شبّه ماركس الدين بالأفيون لأنه يخفف ألم المظلومين والفقراء في الحياة الصعبة، ويعطيهم راحة مؤقتة ووعداً بالسعادة في الآخرة لكي يتقبلوا بؤس واقعهم.
هذه النظرة الماركسية للدين تطرح تحديين أمام اليسار: التحدي الأول هو إيجاد بديل واقعي عن الدين يسعد الإنسان على الأرض؛ اما التحدي الثاني فهو نقد الفكر الديني كمعوّق فكري لإحلال السعادة على الأرض. اليسار اللبناني يقف عاجزا أمام التحديين. فهو عاجز تماما عن تقديم بدائل لواقع المظلومين والفقراء، مما على ما يبدو، يدفعه الى التسليم بالوعد الديني.
هكذا فعندما يتحالف “اليسار” مع حزب الله يتعامل مع الأفيون وكأن مفعوله لا يتجاوز تأثير نفس أرجيلة تروّح عن النفس وهي تنفخ دخانها بوجه الآخرين، فيؤجل مع من يؤجلون ويخططون معا لدحر امبريالية تنفث سموم دخان طائراتها في سمائنا المقدسة.
قمت بمحاولة متواضعة في مجال نقد الفكر الديني المسيحي في كتابي “إنسانية يسوع، حوار مع بيئتي المسيحية”، وذلك من منظور إنساني أقرب الى العلمانية. ادعو الى محاولات شبيهة تنتقد الفكر الديني في المسيحية والإسلام على حد سواء.
شكراً لقراءة المقال... ولا تنسى مشاركته.
إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير